تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 414

مساهمون:

ص٤١٤
إنّ من أجلّ عناصر هذا التقويم الذي فضّلك على سائر المخلوقات ، قدرتك الفكريّة على الفهم ، والاستنباط ، وإدراك الحقائق عن طريق أدلّتها وأماراتها ، وإدراك بواطن الأمور استنتاجا من ظواهرها ، والاستدلال على غير المشهود بالمشهود ، وبالقياس عليه . أيّ شيء يحملك بعد هذا الّذي أنت به في أحسن تقويم ، فيجعلك تكذّب الرّسول والقرآن المنزّل من ربّك ، بنبأ الدين ، الذي سوف يكون في يوم الدّين ، بعد البعث للحساب وفصل القضاء وتحقيق الجزاء الأمثل
فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ
( 7 ) ، أي : بالجزاء الحكيم ، الذي تقتضيه حكمة خلقك في أحسن تقويم . إنّ النّظر الحصيف ، إلى الدّليل العقليّ ، لا بدّ أن يهدي أولي الألباب المنصفين ، الّذين لا يتّبعون أهواءهم وشهواتهم ووساوس الشياطين وتسويلاتهم وتزييناتهم ، إلى ضرورة وجود يوم الدّين ، الّذي تقتضيه حتما حكمة اللّه الرّبّ الخالق العليم القدير ، أحكم الحاكمين ، الّذي يفعل ما يشاء ويختار ، فلا يعييه ولا يعجزه شيء ممّا يريد ، إنّما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له : كن فيكون . *
أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ
( 8 ) ؟ ! ! فإذا قلت أيّها الإنسان المكذّب بالدّين : بلى ، كما يجب عليك عقلا أن تقول ، فعليك أن تؤمن بالدّين ، لأنّ الجزاء الحكيم ، على أعمال المخلوق الاختيارية ، الموضوع موضع الامتحان في ظروف الحياة الدّنيا ، لازم عقليّ ضروريّ ، فكيف بحكمة أحكم الحاكمين ، ربّ العالمين ، الرّحمن الرّحيم ، العليم القدير ، مالك يوم الابتلاء ، ومالك يوم الدّين ، يوم الجزاء ؟ ! ! ( أحكم ) : صيغة « أفعل » تفضيل ، من فعل « حكم » بمعنى : « قضى » .