يقسم ربّنا في مطلع هذا الدّرس الأوّل من دروس السّورة ، بأربع آيات دالّات على شمول علمه وكمال حكمته وقدرته ، على تحقّق إحدى ظواهر حكمته في عباده ، وهي قانون الجزاء ، الّذي هو الغاية من وضع ذوي الإرادات الحرّة موضع الابتلاء في ظروف الحياة الدّنيا .
الآية الأولى من آياته في كونه : السّماء ذات البروج ، وقد دلّ على القسم بها قوله تعالى :
وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ ( 1 ) .
المراد بالسّماء هذه القبّة الزرقاء الّتي تسبح فيها النجوم والكواكب ، ذوات الأعداد المذهلة ، وكلّ منها له طريق سير لا يتعدّاه ، وله منازل ، وله بروج .
البروج : مفردها « برج » ، ويظهر أنّ المراد بالبروج منازل الكواكب والنجوم في السّماء ، على خطوط سيرها ، ومداراتها في أفلاكها .
ووصف السّماء بأنّها ذات البروج يدلّ على أنّها أبعاد فضائية ، وزّع اللّه فيها النّجوم والكواكب توزيعا حكيما ، وجعل لها فيها منازل ومسيرات ومدارات في أفلاك ، وأبدع تنظيم حركاتها إبداعا مذهلا ، ونشر بينها قوى وجاذبيات تجعل كلّ نجم وكلّ كوكب منها لا يخرج عن خطّ سيره ، ولا عن مداره ، ولا عن منازله المحكمة المقدّرة له .
إنّ علماء رصد النجوم والكواكب والمجرّات المتتبّعين لحركاتها ، ولمنازلها ، على خطوط سيرها ومداراتها في أفلاكها ، يجدون إتقانا مذهلا ، ونظاما بديعا رائعا ، لا يخرم حدوده في ملايين السنين مقدارا ما مهما قلّ .
هكذا يقول علماء الفلك ، فالقسم بالسّماء ذات البروج هو في الحقيقة قسم بظاهرة من ظواهر صفات اللّه الجليلة ، وهذه الظاهرة الرائعة تدلّ على