فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا ( 29 ) ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ . . . .
الخطاب هنا موجّه للرسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ثم لكل داع إلى اللّه من أمّته على سبيل الخطاب الإفرادي .
فَأَعْرِضْ
: الإعراض حالة وسطى بين الإقبال والإدبار ، وأصل الإعراض إعطاء الجانب ، وعارضا الإنسان صفحتا خدّيه .
تَوَلَّى
: يأتي بمعنى « أدبر » وبمعنى « نأى » والمعنى الأوّل هو الملائم هنا .
واللّه عزّ وجلّ يوصي رسوله وكلّ داع إلى اللّه من أمّته على سبيل الخطاب الإفرادي ، بأن يقتصر على الإعراض عمّن أدبر عن ذكر اللّه ، أي :
أدبر عن الاستجابة لدعوة الدّاعي إلى اللّه ، ولدعوة كتابه المنزّل الذي هو ذكر اللّه الشامل لكلّ مسائل الدّين وقضاياه الكبرى .
وهذا أحد مناهج الدعوة إلى اللّه ، فالمطلوب من الداعي أن لا يقابل المدعوّ بمثل عمله إذا أدبر ، بل يقتصر على مجرّد الإعراض إذا هو أدبر ، ويفهم من هذا أنّ المدعوّ إذا أعرض فإنّ الدّاعي لا يعرض عنه ، بل يعمل على دعوته بالمواجهة أو بنصف المواجهة .
وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا
: أي : ولم يؤمن بالآخرة وما فيها من جزاء بالثواب أو بالعقاب ، وبسبب ذلك لم يرد إلّا متاع الحياة الدّنيا ولذّاتها وزيناتها ، فهو يكدح لتحقيق مراداته منها ، غير عابئ بدعوة الداعي ، ولا بما في القرآن من ذكر ربّانيّ .
والمراد باسم الموصول في عبارة : [ عمّن تولّى ] كلّ من يتولّى عن ذكر اللّه والتذكير به ، ولهذا جاء ذكرهم بصيغة الجمع في قوله تعالى :
ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ
فأبان عزّ وجلّ أنّ سبب عدم إرادتهم إلّا متاع الحياة