الدنيا ، أنّ مبلغهم من العلم منحصر في حدود دائرة الحياة الدنيا ، فهم يتعلّقون بها فقط ، فقال تعالى :
ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ
: أي : ذلك الّذي لم يريدوا غيره هو الغاية الّتي بلغ علمهم إليها ، إذ رفضوا الإيمان بيوم الدّين وكذّبوا بالأخبار الرّبّانيّة المنزّلة على رسوله محمّد وعلى سائر رسله من قبله ، التي تتضمّن نبأ البعث إلى الحياة بعد الموت ، ونبأ يوم الدين ، وأنباء الدار الآخرة وما فيها من نعيم خالد في جنّات النعيم ، وما فيها من عذاب أليم في دار العذاب ، النّار المعدّة للمجرمين والعصاة ، فاقتصر علمهم عند حدود الحياة الدّنيا .
مبلغ العلم : هو الغاية الّتي يصل إليها العلم : يقال لغة : بلغ الأمر ، إذا وصل إلى غايته ، ومبلغ الشيء هو الغاية الّتي يتوقّف الشّيء عندها .
خلاصة هذا التعليم من عناصر منهاج الدعوة إلى اللّه
يبيّن اللّه عزّ وجلّ لرسوله ولكل داع إلى اللّه من أمّته في هذا التعليم ، أنّ من لم تؤثّر فيه من المدعوّين أفرادا أو جماعات كلّ الحجج والبيّنات والمناظرات وأساليب الإقناع والتربية ، مع تنويع الأساليب الفكريّة والنّفسيّة المختلفة ، وتصريف الأدلّة والحجج والبراهين ، وتبيّن أنّه مع كلّ مراحل المعالجات السّالفات لم يرد إلّا الحياة الدّنيا ومتاعها ، إذ لم يؤمن بالآخرة وما فيها ، فلم يعبأ بالترغيبات والترهيبات الأخرويّة ، وأصرّ على موقفه العناديّ ، فالحكمة تقتضي الإعراض عنه ، وتوصيل البيانات الرّبّانيّة له دون مواجهة ، توفيرا للوقت والجهد ، مع شغلهما بمن لم يصل بعد إلى هذا المستوى من الإصرار العنادي المكذّب بالآخرة ، دون اهتمام إلّا بمتاع الحياة الدنيا .
وقد وضع النصّ القرآنيّ لهذا الإعراض قيدا ، وهو أن يتأكّد الداعي أنّ المتولّي المدبر لم يرد إلّا الحياة الدنيا ، ويظهر ذلك إذا حصلت معالجته