تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 110

مساهمون:

ص١١٠
ولم يقتصر الأمر على مشاهدة واحدة ، بل جعلها اللّه عزّ وجلّ مرّتين ، زيادة في تأكيد الإثبات البرهانيّ ، وليتمّ تعرّف الرسول على شخصيّة جبريل ، حتّى إذا جاءه بعد ذلك بأيّة صورة تمثيليّة ، أو بتنزّل مسموع الصّوت غير مرئيّ الذّات عرفه ، ولم يخف عليه . وهذه المشاهدة الثانية سيأتي في هذا الدّرس ذكر لها .
فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى
( 10 ) : أي : فأوحى اللّه عزّ وجلّ إلى عبده محمّد عن طريق رسول الوحي جبريل ما أوحاه إليه ، ولمّا كان ما أوحاه جبريل للرسول محمد أثرا من آثار خلق اللّه جاء التعبير بأسلوب أنّ اللّه هو الذي أوحى لعبده محمد ما أوحى به إليه . ولم يأت في النصّ بيان لهذا الذي أوحى اللّه به إلى رسوله ، لأنّ الغرض بيان ظاهرة الوحي ، أمّا الموحى به إلى الرسول محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، فالرسول قائم بتبليغ ما أمره اللّه بتبليغه للنّاس ، لا يكتم منه شيئا . ولم يكتم منه شيئا . * قول اللّه عزّ وجلّ :
ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى ( 11 ) أَ فَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى ( 12 ) .
الفؤاد : عمق القلب الذي هو أداة الإدراك في الإنسان ، ومركز استقرار العلوم والمعارف ، وتنطلق منه الإرادات . إنّه لما كان مشهد ظهور جبريل بصورته العظيمة الّتي تملأ الأفق أمرا من الوضوح والتحقّق التّامّ بالغا الغاية ، كان نافذا إلى الفؤاد مركز عمق القلب ، وهو شيء غير جهاز ضخ الدّمّ . وهذا دليل يدلّ على أنّ الرّؤية الحقيقيّة هي الرّؤية النافذة إلى مركز الإدراك البصريّ في عمق الإنسان . وقد أثبتت العلوم الحديثة أنّ العين أداة توصيل لصورة المرئيّ ، وأنّ
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 110 | عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني