ومن أراد أن يحسن سياسة مملكته النفسيّة ليكون إنسانا مثاليّا ، أو سالكا في مدارج الإنسان المثالي ، فليوزّع السلطات في داخل نفسه وفق القانون الطبيعيّ السابق ، وعليه في هذا أن يسلّم السّلطة التشريعيّة إلى القدرات الفكريّة المهديّة بالهداية الرّبّانيّة ، وأن يباعد بين هذه القدرات وبين مؤثرات الأهواء والشهوات والغرائز والدوافع النفسيّة ، حتّى لا تجنح بها عن صراط الحقّ والعدل ، وعليه أن يطلق قدراته التفكيريّة في ميادين البحث عن الحقائق ، ويثير فيها الشوق إلى الوصول إليها ، وكلّما وصلت إلى طائفة من شرائع الحقّ والعدل الرّبانيّة ، فيجب عليه أن يؤمن بها ، ويجعلها موجّهة لإرادته المالكة للسّلطة التنفيذيّة داخل مملكة ذاته .
وهذه السلطة التنفيذيّة ، تتعرّض لضغوط غوغائيّة من قبل جمهور الأهواء والشهوات والغرائز ، الّتي تطالب بما هو زائد على أنصبتها النافعة في الحياة ، لتستمتع باللّذات العاجلات ، غير عابئة بالمضرّات الآجلات ، الجالبات للآلام وأنواع العذاب الجسديّ والنفسيّ .
فإذا وجد من إرادته ذات السّلطة التنفيذيّة داخل مملكة ذاته ضعفا ، أو ميلا للاستجابة لمطالب جماهير أهوائه وشهواته وغرائزه الجانحة عن صراط الحقّ والخير والفضيلة ، صراط اللّه المستقيم ، فعليه أن يمدّ إرادته بقوى تشدّ عزمها وحزمها ، من مخازن الإيمان في عمق قلبه ، ومن كوابح الخوف من سوء المصير ، ومن دوافع الطّمع بثواب اللّه ، المعجّل من ذلك والمؤجّل ، وعليه أن يجعل شعاره دواما : الحقّ فوق الجميع ، وعندئذ يجد من معونة اللّه جلّ جلاله ما يجعل إرادته ذات عزم يسكت صخب جماهير الأهواء والشهوات والغرائز الجانحة ، ويقمع طيشها ، ويلجم دوافعها الرّعناء .
والإنسان أمام جماهير أهوائه وشهواته وغرائزه الجانحة ، التي تنبح
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 622
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٦٢٢