ولم يأت مثل هذا الاستعمال في سورة ( الضحى ) لأنّ الموقف فيها موقف إيناس واستعطاف من الرّبّ لرسوله ، في مقابل ما أشاع بعض أعدائه وحسّاده من أنّ ربّه ودّعه أو قلاه ، ومثل هذا الموقف يلائمه حديث الخليل لخليله دون استعمال ضمير المتكلّم العظيم .
الثالثة :
تقديم المعمول على عامله لإفادة التخصيص والحصر في :
وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ
( 8 ) فعبارة [ إلى ربّك ] معمول للفعل في [ فارغب ] إذ الجار والمجرور متعلقان به ، وهما مقدّمان عليه لإفادة الحصر والتخصيص ، أي :
وإلى ربّك وحده فابتهل وتضرّع داعيا سائلا ، ولا تجعل معه شريكا ، ولا تدع غيره .
مع ما في هذا التقديم من مراعاة الجمال التناسقي بين آيات السورة ، والتلاؤم في الفاصلة بين الآيتين الأخيرتين منها :
فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ( 7 ) وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ
( 8 ) .
الرابعة :
خروج الاستفهام في السورة عن طلب الإفهام إلى إرادة التقرير والمتنان .
الخامسة :
التعبير غير المباشر ، بذكر الكلام الذي يقصد به لوازمه الفكرية ، وهو في هذه السّورة من أبدع الكنايات .
نلاحظ هذا في :
فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ( 5 ) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً
( 6 ) أي :
فقم بوظائف رسالتك ، وستلقى في مسيرتك هذه عسرا ، يذلّله اللّه لك ، بتيسير مضاعف أقوى منه ، فلا تضعف ولا تثبّطك المسالك الوعرة ، ولا المداخل الضيقة ، ولا العقبات العسرة ، ولا المشكلات المتداخلة المعقّدة .