پرش به محتوای اصلی

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحه 326

پدیدآورندگان:

ص۳۲۶
وفي هذه الآية إشارة ضمنيّة للضعفاء الّذين فتنوا في دينهم أن يتّخذوا أيّ سبيل ، ليتخلّصوا بالهجرة من ضغوط الكافرين ذوي السلطان والجبروت في مكّة ، فإذا فعلوا ذلك بإحسان وتصرّف حكيم ، هداهم اللّه عزّ وجلّ إلى سبل نجاتهم وسلامتهم ، وإنّ اللّه لمع المحسنين بالمعونة والتوفيق والتأييد والنّصر ، أمّا الّذين لا يحسنون التصرّف ، فيتحرّكون لتحقيق غاياتهم تحرّكا أهوج طائشا ، ولا يتّخذون الشّروط السببيّة الملائمة ، فإنّ اللّه عزّ وجلّ لم يعدهم بأن يكون معهم . ويقع كثير من المؤمنين ذوي السّذاجة والجهل بمفهومات الدّين ، في غلط فاحش حيال هذه الحقيقة ، فيسيئون التصرّف ، ولا يتّخذون الشروط السببيّة الملائمة المطلوبة ، ثمّ يطالبون اللّه عزّ وجلّ بأن يكون معهم حاميا وناصرا ، تصوّرا منهم أنّ الإحسان في العمل بمفهوم الدّين قاصر على جوانب خاصّة تتعلّق بالعبادات المحضة ، ولا ينطلقون مع الأبعاد الكاملة لقول الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في تعريف الإحسان : « أن تعبد اللّه كأنّك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك » . وأنّ العبادة للّه تشمل كلّ سلوك الإنسان في الحياة الدنيا ، وأنّ الجهاد في سبيل اللّه من أعظم العبادات وأكثرها تحقيقا لمرضاته . ويغفلون عن قول الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في الحديث الصحيح : « إنّ اللّه كتب الإحسان على كلّ شيء » . فاللّه عزّ وجلّ يعلّم المؤمنين في هذه الآية من سورة ( العنكبوت ) أن يكونوا محسنين في اتّخاذ الأسباب المناسبة للهجرة من بلد يفتنون فيه بدينهم ، حتّى يكون معهم ساترا وحافظا وناصرا . وقد ضرب الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في سلوكه المثل الكامل في اتّخاذ الوسائل السببيّة على أحسن وجه لدى هجرته من مكة إلى المدينة ، حين أذن اللّه له بالهجرة .