فلقد تحدّى اللّه عزّ وجلّ الناس أن يخلقوا حيوانا حتّى ذبابا ، مع أنّ المادّة الّتي خلق اللّه منها كلّ الأحياء في الأرض معروضة أمامهم ، مبذولة لهم ، فهي في متناول أيديهم ، إنّها عناصر الأرض ، تراب وماء ، ومع أنّ هذه المادّة بين أيديهم فإنّهم عاجزون عن خلق أيّ شيء صغيرا كان أم كبيرا .
وعلى مثل هذا تحدّى اللّه عزّ وجلّ النّاس أن يأتوا بمثل هذا القرآن أو بمثل سورة منه ، مع أنّ مادّة القرآن الّتي ألّفت منه آياته وسوره إنّما هو الكلام العربيّ الّذي يستعملونه في تخاطبهم ، وفي آدابهم شعرا ونثرا ، ويتفاخرون ببلاغتهم فيه على سائر الأمم ، وهذا الكلام العربيّ معروض أمامهم ، وهو في متناول نطقهم وكتاباتهم وشعرهم ونثرهم .
وحروف التهجّي العربيّة تمثّل المادّة الأولى لهذا الكلام ، وإطلاق حروف التهجّي لأيّة لغة من اللّغات هو بمثابة العنوان لهذه اللّغة من جهة ، والإشارة إلى مادّتها من جهة أخرى .
فمن ينكر أنّ هذا القرآن كلام اللّه ، وأنّه منزّل من لدنه جلّ جلاله ، فليأت بمثله أو بمثل سورة منه ، وهذه مادّة كلماته وجمله وتراكيبه معروضة أمامه في اللّغة العربية ، وعنوان هذه اللّغة أسماء حروف التهجّي الموضوعة فيها للحروف التي تنطق في بناء الكلمات ، والتي منها على سبيل المثال :
( نون - صاد - كاف - ها - يا - عين - ألف - لام - ميم - را ) .
ويقرّب هذا المعنى أنّ معظم السّور الّتي افتتحت بحروف مقطّعة من حروف التهجّي ابتدأت بالكلام على القرآن المجيد .
الوجه الثالث : الحروف المقطّعة في أوائل بعض السّور هي أسماء لها ، فيقال مثلا سورة ( نون ) وسورة ( صاد ) وقد ذكر هذا الوجه أكثر المتكلمين ، واختاره الخليل ، وسيبويه ، من أئمة اللّغة العربيّة .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 207
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٢٠٧