فرأى بعض كبرائهم أن يردّوا عن أنفسهم ذلك بأن يتّهموا الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بالجنون ، إذ ذكر لهم أنّ وحي اللّه عزّ وجلّ قد نزل عليه ، وأبلغه بأنّه رسول اللّه للناس ، وأنّ عليه أن يبلّغهم رسالات ربّه ، وأنّ أوّل بلاغ فيها نداء التوحيد ، ووجوب نبذ الشرك والأوثان ، وأنّ عليهم أن يعبدوا اللّه وحده لا شريك له .
فصاروا يقولون فيما بينهم :
إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ
لتنتشر هذه المقالة في جماهير أتباعهم ، مع أنّهم قد بلغت بهم الدهشة مبلغها الأقصى من روائع البيان القرآني ، حتّى كادوا يزلقون الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم عن مواقفه بأبصارهم من شدّة حسدهم له ، لمّا سمعوه يتلو بعض ما تنزّل عليه من القرآن ، دلّ على هذا قول اللّه عزّ وجل في أواخر السورة :
وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ
( 51 ) .
وكان هذا منهم إيذانا ببدء معركة الرّفض لدعوة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وتكذيبه في دعوى النّبوّة والرّسالة .
ومن طبيعة الناس التلقائيّة أنّهم إذا كذّبوا من يدّعي اتصالات غيبيّة خارجة عن مجرى العادات الحسيّة قالوا : فيه مسّ من الجنّ ، وقالوا : هو مجنون ، يتوهّم بجنونه أنّ أرواحا غيبيّة تتّصل به وتبلّغه ، ولا يعدو أمره أن يكون توهّما ، هذا إذا كان معروفا بينهم بالصّدق والأمانة وكمال الخلق ، فهم في أوّل الأمر لا يقولون له : أنت تكذب علينا لأمر تريده ، وإنّما يعتذرون له بأنّ فيه مرض الجنون .
لكنّ الجنون يتنافى مع دعوة الرّسول الناس إلى القراءة والتعلّم واستخدام وسيلة « القلم » لتثبيت المعارف ، ومعاودة بحثها ومناقشتها ، وهو ما جاء في أوّل سورة أنزلت عليه ، وهي سورة ( اقرأ ) فكتابة ما ينزل به