فمن المعروف أنّ من أساليب العرب أن يفتتحوا كلامهم بشيء من أدوات التنبيه مثل : « ألا - أما » إذ يستفتح بهما الكلام ، والغرض من أدوات التنبيه استثارة انتباه السامع إلى ما يراد إلقاؤه إليه .
ويبدو لي أنّ استعمال حروف لم تجر العادة باستعمالها لغرض التنبيه أكثر لفتا للنّظر ، وإثارة للانتباه ممّا جرت العادة باستعماله ، بسبب أنّ المألوف في السّمع يمرّ دون أن يحرّك في النفس ساكنا ، أو يوقظ في الفكر نائما ، أو ينبّه به غافلا فإذا طرق السّمع جديد غير مألوف تحرّك الساكن ، وتنبّه الغافل ، واستيقظ النائم ، ومثل هذا يجري دائما في أساليب الكلام ، وفي مختلف وسائل التّنبيه .
فربّما تنبّه مخاطبك بحرف ما اعتدت أن تنبّهه به ، لتستدعي ذهنه من شرود ، وربّما تنبّهه بنقرة أو بتصفيق أو بضربة بمطرقة على المنصّة ، أو بأيّ شيء مما يحدث صوتا سريعا متقطّعا أو متتابعا تتابعا يسيرا ، ثمّ تنقطع دون استرسال طويل .
إذا عرفنا هذا ثمّ تأمّلنا في الحروف المقطّعة في أوائل بعض السّور من حروف التّهجّي ، وجدنا فيها من تحقيق التنبيه التّامّ ما لا مزيد عليه ، مع أدب في الوسيلة التي تناسب بلاغة القرآن وإعجازه ، وذلك باستعمال أسماء حروف التهجّي التي هي أولّ ما يتعلّمه المتعلّمون من القراءة والكتابة ، وفي هذا إشارة لهم بأنّهم بعيدون جدّا عن آفاق العلم والمعرفة ، وعليهم أن يسيروا في طريق التعلّم ، ولو من نقطة البدء بتعلّم حروف التهجّي ، حتّى يحسنوا الكتابة بالقلم وقراءة المسطورات ، ثمّ ليذهبوا صاعدين في سلّم مجد الإنسان العلميّ .
الوجه الثاني : تشير حروف التّهجّي المقطّعة في أوائل بعض السّور إلى ما تضمّنه القرآن المجيد من تحدّ للإتيان بمثله ، أو بمثل سورة منه .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 206
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٢٠٦