وباللّه ، لو أن الذئب قد أكله فعلا ، ألم تكن أنيابه قد مزّقت القميص ؟
وحين انكشف أمرهم أمام أبيهم ؛ أشار أحدهم خفية للباقين وقال لهم همسا : قولوا لأبيكم : إن اللصوص قد خرجوا عليه وقتلوه ؛ فسمع يعقوب الهمس فقال : اللصوص أحوج لقميصه من دمه « 1 » ؛ وهذا ما تقوله كتب السير .
وهذا ما يؤكد فراسة يعقوب ، هذه الفراسة « 2 » التي يتحلى بها أىّ محقق في قضية قتل ؛ حين يقلّب أسئلته للمتهم وللشهود ؛ لأن المحقق يعلم أن الكاذب لن يستوحى أقواله من واقع ؛ بل يستوحى أقواله من خيال مضطرب .
ولذلك يقال : « إن كنت كذوبا فكن ذكورا » « 3 » .
ويأتي هنا الحق سبحانه بما جاء على لسان يعقوب :
بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ
( 18 ) [ يوسف ]
« والسّول » : هو الاسترخاء ؛ لأن الإنسان حين تكون أعصابه
هامش
( 1 ) ذكر القرطبي في تفسيره ( 4 / 3472 ) محاولات أبناء يعقوب تبرير ما حدث وانكشاف أمرهم أمام أبيهم لفراسته فقال : « روى أنهم قالوا له : بل اللصوص قتلوه ، فاختلف قولهم ، فاتهمهم ، فقال لهم يعقوب : تزعمون أن الذئب أكله ، ولو أكله لشقّ قميصه قبل أن يفضى إلى جلده ، وما أرى بالقميص من شق ، وتزعمون أن اللصوص قتلوه ، ولو قتلوه لأخذوا قميصه ، هل يريدون إلا ثيابه ؟ ! » .
( 2 ) الفراسة : في النظر والتثبت والتأمل للشئ والبصر به ولهما معنيان قالهما ابن الأثير :
أحدهما : ما يوقعه اللّه تعالى في قلوب أوليائه فيعلمون أحوال بعض الناس بنوع من الكرامات وإصابة الظن والحدس .
الثاني : نوع يتعلّم بالدلائل والتجارب والخلق والأخلاق ، فتعرف به أحوال الناس » . نقله ابن منظور في [ لسان العرب - مادة : فرس ] .
( 3 ) الذكر : الحفظ للشئ تذكره . ورجل ذكير : جيد الذكر والحفظ . والذكر والذكرى : نقيض النسيان . والتذكر : تذكر ما أنسيته . [ لسان العرب - مادة : ذكر ] .