وكان الردّ على الاتهام بالافتراء يتمثّل في أمرين : إما أن يفتروا مثله ، أو أن يتحمّل هو وزر إجرام الافتراء .
وإن لم يكن قد افتراه ، فعليهم يقع وزر إجرامهم « 1 » باتّهامه أنه قد افترى .
وأسلوب الآية الكريمة يحذف عنهم البراءة في الشطر الأول منها ، ولو جاء بالقول دون احتباك ، لقال سبحانه : قل إن افتريته فعلىّ اجرامي وأنتم برءاء منه ، وإن لم أفتر فعليكم إجرامكم وأنا برئ .
وجاء الحذف من شقّ المقابل من شقّ آخر ، وهذا ما يسمّى في اللغة « الاحتباك » « 2 » .
والحق سبحانه وتعالى يقول :
كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ . .
( 249 ) [ البقرة ]
والفئة القليلة تكون قلّتها في الأفراد والعتاد وكلّ لوازم الحرب ، والفئة الكثيرة ، تظهر كثرتها في العدّة والعدد وكلّ لوازم الحرب ، والفئة القليلة إنما تغلب بإذن اللّه تعالى .
وهكذا يوضّح الحق سبحانه أن الأسباب تقضى بغلبة الفئة الكثيرة ، لكن مشيئته سبحانه تغلب الأسباب وتصل إلى ما شاءه اللّه تعالى .
هامش
( 1 ) آثام الذنوب فيما افتروه .
( 2 ) الاحتباك : من أساليب البلاغة العربية ، وهو أن يحذف من الأول ما أثبت نظيره في الثاني ، ومن الثاني أن يحذف نظيره في الأول كقوله تعالى :وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ . .( 12 ) [ النمل ] .
والتقدير : تدخل غير بيضاء ، وأخرجها تخرج بيضاء ، فحذف من الأول « غير بيضاء » ومن الثاني « وأخرجها » . وقال الزركشي : هو أن يجتمع في الكلام متقابلان ، فيحذف من كل واحد منهما مقابله لدلالة الآخر عليه ، كقوله تعالى :أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ( 35 ) [ هود ] . والتقدير : « إن افتريته فعلى اجرامي وأنتم برءاء منه ، وعليكم إجرامكم وأنا برئ مما تجرمون » [ الإتقان في علوم القرآن : 3 / 182 ، 183 ] .