إذن : فنوح - عليه السّلام - يعلم أنه مسؤول أمام ربه ، ولكن هذا الملأ الكافر من قومه يجهلون ؛ ولذلك يقول الحق سبحانه في نهاية هذه الآية الكريمة على لسان نوح عليه السّلام :
. . وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ
( 29 ) [ هود ]
أي : أنهم لا يفهمون مهمة نوح عليه السّلام ، وأنه مسؤول أمام ربه .
ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك :
وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ
وهنا يوضّح نوح عليه السّلام أنه لا يقدر على مواجهة اللّه إن طرد هؤلاء الضعاف ؛ لأن أحدا لن ينصر نوحا على اللّه - عز وجل - لحظة الحساب ، فهناك يوم لا يملك فيه لأحد إلا اللّه ، ولا أحد يشفع إلا بإذنه سبحانه ، ولا أحد بقادر على أن ينصر أحدا على اللّه تعالى ؛ لأنه القاهر فوق كل خلقه .
والنصر - كما نعلم - يكون بالغلبة ، أما الشفاعة فهي بالخضوع ، والحق سبحانه لا يأذن لأحد أن يشفع في طرد مؤمن من حظيرة الإيمان .
وفي هذا القول تذكير من نوح عليه السّلام لقومه ؛ ولذلك قال الحق سبحانه :
. . أَ فَلا تَذَكَّرُونَ
( 30 ) [ هود ]
أي : يجب ألّا تأخذكم الغفلة ، وتنسيكم ما يجب أن تتذكروه .
وكما جاء الحق سبحانه بالتذكّر ، وهو الأمر الذي بدوامه يبعد الإنسان الغفلة ، جاء الحق سبحانه أيضا بالتفكّر ، وهو التأمل لاستنباط شئ جديد عن طريق إعمال العقل بالتفكر ، الذي يجعل الإنسان في تأمل يقوده إلى تقديس وتنزيه الخالق ، وبهذا يصل الإنسان إلى الحقائق التي تكشف له معالم الطريق .