وجاء الحق - سبحانه - أيضا بالتدبر ، أي : ألا يأخذ الإنسان الأمور بظواهرها ، أو أن ينخدع بتلك الظواهر « 1 » ، بل لا بد من البحث في حقائق الأشياء .
لذلك يقول الحق جلّ وعلا :
أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ
« 2 »
الْقُرْآنَ . .
( 82 ) [ النساء ]
أي : أفلا يبحثون عن الكنوز الموجودة في المعطيات الخلفية للقرآن .
والتدبر هو الذي يكشف المعاني الخفية خلف ظواهر الآيات ، والناس يتفاضلون في تعرضهم لأسرار كتاب اللّه حين ينظرون خلف ظواهر المعاني .
ولذلك نجد عبد اللّه بن مسعود رضى اللّه عنه يقول : « ثوّروا القرآن » « 3 » أي : قلّبوا معاني الآيات لتجدوا ما فيها من كنوز ، ولا تأخذوا الآيات بظواهرها ، فعجائب القرآن لا تنقضى .
ويقول الحق سبحانه وتعالى مواصلا ما جاء على لسان سيدنا نوح :
هامش
( 1 ) وقد قال عز وجل :وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 6 ) يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ( 7 ) [ الروم ] وقد كان هذا تعقيبا منه سبحانه لقصة الروم وأنهم سينتصرون على الفرس في بضع سنين ، وقد استغرب الناس يومئذ ذلك ، بسبب اهتمامهم بظواهر الحياة الدنيا دون النظر إلى عواقب الأمور وسير الأمم من قبل وأقدار اللّه في تصريف شؤون خلقه .
( 2 ) تدبر : تأمل في أدبار الأمور وعواقبها ونهاياتها ، أو تأمل ليعرف حقائق الأمور . وقال تعالى :أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها( 24 ) [ محمد ] أي : هل عجزوا وعموا فلا يتأملون معاني القرآن ويبصرون ما فيه من حكم بالغة فيؤمنون به . وبين همزة الاستفهام وفاء العطف فعل محذوف دائما والمعنى : أعجزوا فلا يتدبرون . [ القاموس القويم ] .
( 3 ) ذكره ابن منظور في اللسان ( مادة : ث ور ) ، قال : « وفي حديث عبد اللّه : أثيروا القرآن فإن فيه خبر الأولين والآخرين ، وفي رواية : علم الأولين والآخرين . قال شمر : تثوير القرآن قراءته ومفاتشة العلماء به في تفسيره ومعانيه . وقيل : لينقر عنه ويفكر في معانيه وتفسيره وقراءته » .