ومثل هذه العقوبة ليست جريمة ؛ لأن العقوبة على الجريمة ليست جريمة ، بل هي منع للجريمة « 1 » .
وهكذا تلتقى المعاني كلها ، فحين نقول :
لا جَرَمَ
فذلك يعنى أنه لا جريمة في الجزاء ؛ لأن الجريمة هي الآثام العظيمة التي ارتكبوها .
ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى :
وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها . .
( 40 ) [ الشورى ]
وقد سمّاها الحق سيئة ؛ لأنها تسىء إلى المجتمع ، أو تسىء إلى الفرد نفسه .
ولهذا يقول الحق سبحانه :
وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ . .
( 126 ) [ النحل ]
وهكذا نجد أن هناك معاني متعددة لتأويل قول الحق سبحانه :
لا جَرَمَ ،
فهي تعنى : لا قطع لقول اللّه في أن المشركين سيدخلون النار ، أو لا بد أن يدخلوا النار ، أو حق وثبت أن يدخلوا النار ، أو لا جريمة من الحق سبحانه عليهم أن يفعل بهم هكذا ؛ لأنهم هم الذين فعلوا ما يستحق عقابهم .
ويقول الحق سبحانه :
لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ
( 22 ) [ هود ]
وكلمة (
الْأَخْسَرُونَ
) جمع « أخسر » « 2 » وهي أفعل تفضيل لخاسر ، وخاسر اسم فاعل مأخوذ من الخسارة .
هامش
( 1 ) ولذلك قال سبحانه :وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ( 179 ) [ البقرة ] قال ابن كثير في تفسيره ( 1 / 211 ) : « إذا علم القاتل أنه يقتل انكف عن صنيعه ، فكان في ذلك حياة للنفوس . قال أبو العالية : جعل اللّه القصاص حياة ، فكم من رجل يريد أن يقتل فتمنعه مخافة أن يقتل » .
( 2 ) أخسر : صيغة أفعل التفضيل ، وتفيد المبالغة في المعنى ، أي : أكثر وأشد خسارة . [ راجع : لسان العرب - مادة : خسر ]