ولولا هذا الاستثناء لكان الكل - كل البشر - ينطبق عليهم الحكم الصادر في الآيتين السابقتين ، حكم باليأس والكفر ، أو الفرح والفخر دون تذكّر واهب النعم سبحانه .
ولكن هذا الاستثناء قد جاء ليطمئن الذين صبروا على ما قد يصيبهم في أمر الدعوة ، أو ما يصيبهم في ذواتهم ؛ لا من الكافرين ؛ لكن بتقدير العزيز العليم .
أو أنهم صبروا عن عمل إخوانهم المؤمنين .
إذن : فالصبر معناه حدّ النفس بحيث ترضى عن أمر مكروه نزل بها « 1 » .
والأمر المكروه له مصادر عدة ، منها :
* أمر لا غريم « 2 » لك فيه كالمرض مثلا .
* أو أن يكون لك غريم في الأمر ؛ كأن يسرق منك متاع ، أو يعتدى عليك ، وفي هذه الحالة تنشغل برغبة الانتقام ، وتتأجج نفسك برغبة النيل من هذا الغريم ، أكثر مما تتأجج في حالة عدم وجود الغريم ، فحين يمرض الإنسان فلا غريم له .
وفي حالة الرغبة في الانتقام فالصبر يختلف عن الصبر في حالة عدم وجود الغريم .
ولذلك عرض الحق سبحانه وتعالى لتأتّى الصبر حسب هذه المراحل ، فسيدنا لقمان يقول لابنه :
هامش
( 1 ) ويكون الصبر مطلوبا أيضا عند امتناع النعمة امتحانا لإيمان المؤمن فعن أبي سعيد الخدري أن ناسا من الأنصار سألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأعطاهم ، ثم سألوه فأعطاهم ، حتى نفد ما عنده ، فقال لهم حين أنفق كل شئ بيده : « ما يكن عندي من خير فلن أدخره عنكم ، ومن يستعفف يعفه اللّه ، ومن يستغن يغنه اللّه ، ومن يتصبّر يصبّره اللّه ، وما أعطى أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر » متفق عليه ، أخرجه البخاري في صحيحه ( 6470 ) ومسلم في صحيحه ( 1053 ) كتاب الزكاة .
( 2 ) الغريم : الدائن ، والمدين . والجمع : غرماء . والمراد بالغريم هنا : الخصم أو العدو . [ اللسان ، والمعجم الوسيط ] بتصرف .