وفي هذا تحكم منك في الشهوات ، وارتقاء في الاختيارات ، أما في الأمور الحياتية الدنيا ، فعطاء الربوبية لكل كائن ليستبقى حياته .
وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى :
وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها . .
« 1 » ( 6 ) [ هود ]
وكلمة « على » تفيد أن الرزق حق للدابة ، لكنها لم تفرضه هي على اللّه سبحانه وتعالى ، ولكنه سبحانه قد ألزم نفسه بهذا الحق .
ويقول سبحانه :
وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها . .
( 6 ) [ هود ]
ولأنه سبحانه هو الذي يرزق الدابة فهو يعلم مستقرها وأين تعيش ؛ ليوصل إليها هذا الرزق .
والمستقر : هو مكان الاستقرار ، والمستودع : هو مكان الوديعة .
والحق سبحانه يعلمنا بذلك ليطمئن كل إنسان أن رزقه يعرف عنوانه ، والإنسان لا يعلم عنوان الرزق .
فالرزق يأتي لك من حيث لا تحتسب ، لكن السعي إلى الرزق شئ آخر ؛ فقد تسعى إلى رزق ليس لك ، بل هو رزق لغيرك .
هامش
( 1 ) قال القرطبي في تفسيره ( 4 / 3324 ) : « الرزق حقيقته ما يتغذى به الحي ، ويكون فيه بقاء روحه ونماء جسده ، ولا يجوز أن يكون الرزق بمعنى الملك ، لأن البهائم ترزق وليس يصح وصفها بأنها مالكة لعلفها ، وهكذا الأطفال ترزق اللبن ، ولا يقال : إن اللبن الذي في الثدي ملك للطفل .
وقال تعالى :وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ . .( 22 ) [ الذاريات ] وليس لنا في السماء ملك ، ولأن الرزق لو كان ملكا لكان إذا أكل الإنسان من ملك غيره أن يكون قد أكل من رزق غيره ، وذلك محال ، لأن العبد لا يأكل إلا رزق نفسه » .