المادة أن وراءها شيئا مستورا .
والمستور الذي وراء المادة هو الذي يعلن عن نفسه ، فهو أمر لا نعرفه بالعقل .
وقديما ضربنا مثلا في ذلك ، وقلنا : هب أننا جالسون في حجرة ، ودقّ جرس الباب ، فعلم كل من في الحجرة أن طارقا بالباب ، ولم يختلف أحد منهم على تلك الحقيقة .
وهذا ما قاله الفلاسفة حين أقرّوا بوجود قوة وراء المادة ، ولكنهم تجاوزوا مهمتهم ، وأرادوا أن يعرّفونا ماهية أو حقيقة هذه القوة ، ولم يلتفتوا إلى الحقيقة البديهية التي تؤكد أن هذه القوة لا يمكن أن تعرف بالعقل ؛ لأننا ما دمنا قد عرفنا أن بالباب طارقا يدق ؛ فنحن لا نقول من هو ، ولا نترك المسألة للظن ، بل نتركه هو الذي يحدد لنا من هو ، وماذا يطلب ؟ لأن عليه هو أن يخبر عن نفسه .
اطلبوا منه أن يعلن عن اسمه وصفاته ، وهذه مسائل لا يمكن أن نعرفها بالعقل .
إذن : فخطأ الفلاسفة أنهم لم يقفوا عند تعقّل أن هناك قوة من وراء المادة ، وأرادوا أن ينتقلوا من التعقّل إلى التصور ، والتصورات لا تأتى بالعقل ، بل بالإخبار .
وهنا يقول الحق سبحانه :
قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ . .
( 108 ) [ يونس ]
والحق - كما نعلم - هو الشئ الثابت الذي لا يتغير أبدا ، وأن يأتي