لأننا لن نستطيع أن نحاربهم في كل بلد من البلاد التي قطّعهم اللّه فيها ، لكنهم حين يجتمعون في مكان واحد ، إنما يسهل أن ينزل عليهم قضاء اللّه .
وحين ننظر إلى رحلتهم نجد أن « يثرب » كانت المكان الذي اتسع لهم بعد اضطهادات المجتمعات التي دخلوا إليها ، وحين اجتمعوا في يثرب صار لهم الجاه ؛ لأنهم أهل علم ، وأهل اقتصاد ، وأهل حرب .
وهم قد اجتمعوا في المدينة ؛ لأن المخلصين من أهل الكتاب أخبروهم أن هذه المدينة هي المهجر لنبي ورسول يأتي من العرب في آخر الزمان ؛ فمكثوا فيها انتظارا له ، وكانوا يقولون لكفار قريش : « لقد أظل زمان يأتي فيه نبي نتبعه ، ونقتلكم فيه قتل عاد وإرم » « 1 » .
وكان من المفروض أن يؤمنوا برسالته صلّى اللّه عليه وسلّم ، لكنه ما إن أطل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بنور رسالته حتى أنكروه خوفا على سلطتهم الزمنية .
وهو ما تقول عنه الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها :
فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ . .
( 93 ) [ يونس ]
أي : أن علمهم بمجىء الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم هو مصدر اختلافهم ، فمنهم من سمعوا إشارات عنه صلّى اللّه عليه وسلّم وعرفوا علاماته صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ فآمنوا به ، ومنهم من لم يؤمن به .
هامش
( 1 ) قال الحق سبحانه :وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ( 89 ) [ البقرة ] وعن أشياخ من الأنصار قالوا :
كنا قد علوناهم قهرا دهرا في الجاهلية ونحن أهل شرك وهم أهل كتاب وهم يقولون : إن نبيا سيبعث الآن نتبعه ، قد أظل زمانه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم ، فلما بعث اللّه رسوله من قريش واتبعناه كفروا به . ذكره ابن كثير في تفسيره ( 1 / 124 ) نقلا عن ابن إسحاق .