وهنا نقول :
إن الحق سبحانه وتعالى قد بيّن أنه لن يعذّب قبل أن ينذر « 1 » ، فهو قد أنذر أولا ، ولم يأخذ القوم على جهلهم .
« فانظر » - كما نعلم - هي خطاب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وخطاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يشمل أمته أيضا ، وجاء هذا الخبر تسلية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فإن صادف من قومك يا محمد ما صادف قوم نوح - عليه السّلام - فاعلم أن عاقبتهم ستكون كعاقبة قوم نوح .
وفي هذا تحذير وتخويف للمناوئين لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم .
ويقول الحق سبحانه بعد ذلك :
ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ
« 2 »
فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ نَطْبَعُ
« 3 »
عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ
هامش
( 1 ) يقول الحق سبحانه :وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ( 24 ) [ فاطر ] ويقول :وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا( 15 ) [ الإسراء ] النذير والإنذار وجمعه نذر ، قال تعالى :ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ . .( 19 ) [ المائدة ] .
والنذير هنا : هو الرسول المنذر بالعذاب . والنذر اسم مصدر بمعنى الإنذار كقوله تعالى :فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً ( 5 ) عُذْراً أَوْ نُذْراً( 6 ) [ المرسلات ] وقوله :. . وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ( 101 ) [ يونس ] يحتمل أنها الإنذارات . أو المنذرون من الرسل جمع نذير ، وقوله :وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ . .( 21 ) [ الأحقاف ] ، والمراد بالنذر هم الرسل المنذرون .
( 2 ) بالبينات : أي : بالحجج والأدلة والبراهين على صدق ما جاءوهم به . [ ذكره ابن كثير في تفسيره ( 2 / 426 ) ] .
( 3 ) الطبع : هو الختم على القلب ، ولكنه لا يمحى ولا يفك أبدا . أما الختم فقد يفك ، وقد تكون له مدة معلومة ، وقد يقبل مع التوبة الخالصة . وبكلا الأمرين ورد القرآن :أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ( 108 ) [ النحل ] . وقال سبحانه :خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ . .( 7 ) [ البقرة ] .