وكلمة « بعث » هنا تستحق التأمل ، فالبعث إنما يكون لشئ كان موجودا ثم انتهى ، فيبعثه اللّه تعالى .
وكلمة ( بعثنا ) هذه تلفتنا إلى أن الحق سبحانه أول ما خلق الخلق أعطى المنهج لآدم عليه السّلام ، وأبلغه آدم لأبنائه ، وكل طمس أو تغيير من البشر للمنهج « 1 » هو إماتة للمنهج .
وحين يرسل الحق سبحانه رسولا ، فهو لا ينشئ منهجا ، بل يبعث ما كان موجودا ، ليذكّر الفطرة السليمة .
وهذا هو الفرق بين أثر كلمة « البعث » عن كلمة « الإرسال » ، فكلمة البعث تشعرك بوجود شئ ، ثم انتهاء الشئ ، ثم بعث ذلك الشئ من جديد ، ومثله مثل البعث في يوم القيامة ، فالبشر كانوا يعيشون وسيظلون في تناسل وحياة وموت إلى يوم البعث ، ثم يموت كل الخلق ليبعثوا للحساب .
ولم يكن من المعقول أن يخلق اللّه سبحانه البشر ، ويجعل لهم الخلافة في الأرض ، ثم يتركهم دون منهج ؛ وما دامت الغفلة قد طرأت عليهم من بعد آدم - عليه السّلام - جاء البعث للمنهج على ألسنة الرسل « 2 » المبلّغين عن اللّه تعالى .
هامش
( 1 ) نهج الطريق من باب فتح ، نهجا : سلكه . ونهج الطريق له : أوضحه ، والنهج والمنهج والمنهاج :
الطريق الواضح والمذهب حسيا ومعنويا ، قال تعالى :لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً . .( 48 ) [ المائدة ] أي : مذهبا أو طريقة أو دينا ، فهو هنا معنوي .
( 2 ) الرسالة : اسم لما يرسل منقولة عن المصدر ، ورسالة الرسول ما أمر بتبليغه عن اللّه للناس ، ودعوته الناس إلى ما أوحى إليه . والرسول : المرسل . والرسول مصدر بمعنى الرسالة ، وإذا وصف بالمصدر فلا يؤنث ولا يثنى ولا يجمع . قال الزمخشري : الرسول يكون بمعنى المرسل ، وبمعنى الرسالة فجعله القرآن في سورة طه بمعنى المرسل ، فلم يكن بدّ من تثنيته . يقول الحق :إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ . .( 47 ) [ طه ] أما في آية الشعراء فبمعنى الرسالة ، فجازت التسوية فيه إذا وصف به بين المفرد والمثنى ، فلهذا قال :إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ( 16 ) [ الشعراء ] وأرسل تأتى لمجرد البعث والإطلاق مثل :فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ . .( 105 ) [ الأعراف ] ( الزمخشري - بتصرف ) .