واللّه سبحانه وتعالى يريد ألّا يفوت السامع لقوله أي كلمة ، فأتى بأداة تنبيه تنبه إلى الخبر القادم بعدها ، وهو قول الحق سبحانه :
إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . .
( 55 ) [ يونس ]
هكذا شاء الحق سبحانه أن تأتى أداة التنبيه سابقة للقضية الكلية ، وهي أنه سبحانه مالك كل شئ ، فهو الذي خلق الكون ، وخلق الإنسان الخليفة ، وسخّر الكون للإنسان الخليفة ، وأمر الأسباب أن تخضع لمسببات عمل العامل ؛ فكل من يجتهد ويأتي بالأسباب ؛ فهي تعطيه ، سواء أكان مؤمنا أو كافرا .
وإذا خدمت الأسباب الإنسان ، وكان هذا الإنسان غافلا عن ربه أو عن الإيمان به ، ويظن أن الأسباب قد دانت له بقوته ، ويفتن بتلك الأسباب ، ويقول مثلما قال قارون :
إِنَّما أُوتِيتُهُ
« 1 »
عَلى عِلْمٍ عِنْدِي . .
( 78 ) [ القصص ]
فالذي نسي مسبّب الأسباب ، وارتبط بالأسباب مباشرة ، فهو ينال العذاب ، إن لم يكن في الدنيا ففي الآخرة ؛ فكأن الحق سبحانه ينبههم :
تنبّهوا أيها الجاهلون ، وافهموا هذه القضية الكبرى :
إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . .
( 55 ) [ يونس ]
فإياك أيها الإنسان أن تغترّ بالأسباب ، أو أنك بأسبابك أخذت غير ما يريده اللّه لك ، فهو سبحانه الذي أعطاك وقدّر لك ، وكل الأسباب
هامش
( 1 ) وقد قال سبحانه :إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ( 76 ) [ القصص ] . وقارون هو ابن عم موسى عليه السّلام ، أعطاه اللّه من الأموال المودعة في الخزائن حتى أن مفاتيحها لا تستطيع الجماعة من الناس حملها لكثرتها وثقلها ، فأهلكه اللّه ببغيه وفرحه بماله وتعظمه على الناس ، وقوله :إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي . .( 78 ) [ القصص ] فكان جزاؤه :فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ( 81 ) [ القصص ] .