وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ . .
( 54 ) [ يونس ]
أي : أخفوا الحسرة التي تأتى إلى النفس ، وليس لها ظاهر من انزعاج لفظي أو حركى .
إن كلا منهم يكتم همّه في قلبه ؛ لأنه ساعة يرى العذاب ينبهر ويصعق ويبهت « 1 » من هول العذاب ، فتجمد دماؤه ، ولا يستطيع حتى أن يصرخ ، وهو بذلك إنما يكبت ألمه في نفسه ؛ لأن هول الموقف يجمّد كل دم في عروقهم ، ويخرس ألسنتهم ، ولا يستطيع أن ينطق ؛ لأنه يعجز عن التعبير الحركي من الصراخ أو الألم .
ونحن نعلم أن التعبير الحركي لون من التنفيس البدني ، وحين لا يستطيعه الإنسان ، فهو يتألم أكثر .
هم - إذن - يسرّون الندامة حين يرون العذاب المفزع المفجع ، والكلام هنا عن الظالمين ، وهم على الرغم من ظلمهم ، فالحق سبحانه يقول :
وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ
« 2 »
وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ
( 54 ) [ يونس ]
وهؤلاء رغم كفرهم واستحقاقهم للعذاب يلقون العدل من اللّه ، فهب أن كافرا بالله بمنأى عن الدين ظلم كافرا آخر ، أيقف اللّه سبحانه من هذه المسألة موقفا محايدا ؟
لا ؛ لأن حق خلق اللّه سبحانه - الكافر المظلوم - يقتضى أن يقتص اللّه سبحانه له من أخيه الكافر الظالم ؛ لأن الظالم الكافر ، إنما ظلم مخلوقا لله ، حتى وإن كان هذا المظلوم كافرا .
ولذلك يقضى اللّه بينهم بالحق ، أي : يخفّف عن المظلوم بعضا من
هامش
( 1 ) يبهت : أي : يتملكه هول ما يحدث ؛ فينقطع عن الكلام أو غيره .
( 2 ) القسط : المراد به هنا العدل .