سبحانه :
كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً . .
( 37 )
[ آل عمران ]
والرزق ما به انتفع ، وكان زكريا - عليه السّلام - يكفلها بكل شئ تحتاجه ، لكنه فوجىء بوجود رزق لم يأت هو به ؛ بدليل أنه قال :
أَنَّى
« 1 »
لَكِ هذا . .
( 37 ) [ آل عمران ]
وهذه ملحظية ويقظة الكفيل حين يجد مكفوله يتمتع بما لم يأت به .
وهذه هي قضية « من أين لك هذا ؟ » ، وهي قضية الكفيل العام للمجتمع حين يرى واحدا يتمتع بما لا تؤهله له حركته في الحياة ، وبذلك يكتشف مختلس الانتفاع بما يخص الغير دون أن يعرف كافله ، ولو أن كافله أصرّ على معرفة من أين تأتى مصادر دخله ؛ لحمي المجتمع من الفساد .
وانظر إلى جواب مريم عليهاالسّلام على قول زكريا عليه السّلام الذي ذكره رب العزة سبحانه :
أَنَّى لَكِ هذا . .
( 37 ) [ آل عمران ]
قالت مريم :
هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ . .
( 37 ) [ آل عمران ]
ثم تعلّل الجواب :
إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ
« 2 »
. .
( 37 )
[ آل عمران ]
قالت ذلك ؛ لأنه وجد عندها أشياء لا توجد في مثل هذا الوقت من
هامش
( 1 ) أنّى لك هذا ؟ : كيف ومن أين لك هذا ؟
( 2 ) لله في عطائه رزق بحساب ، ورزق بغير حساب ، فرزق الحساب بقدر ما تقدمه من خير وعمل صالح ، يقاس العطاء بمقياس العدل الإلهى . أما الرزق الذي بغير حساب فهو رزق الذين وهبوا كلياتهم إلى الكل المطلققُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ( 162 ) [ الأنعام ] .
إذن : فكون الرزق هنا بلا حدّ مصداقا لقوله تعالى :زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ( 212 ) [ البقرة ] لأن الإمام العارف قال : من دخل على اللّه بحساب أعطاه بحساب ، ومن دخل عليه بغير حساب أعطاه بغير حساب .