تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5244

مساهمون:

ص٥٢٤٤
وهكذا كان الإيذاء له صلّى اللّه عليه وسلّم بعد الرسالة ، أما قبل الرسالة فكان في نظر الجميع هو : الأمين والصادق والمؤتمن . ومن العجيب أنهم ، بعد أن نزل الوحي ، كانوا لا يستأمنون أحدا مثلما يستأمنون محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم . فإذا كان هناك شئ ثمين عند الكافرين المعارضين ، ذهبوا إلى رسول اللّه ليحفظوا هذه الأشياء الثمينة عنده . وهذا التناقض لا يفسره إلا وثوقهم في أخلاقه صلّى اللّه عليه وسلّم . ورغم ذلك كانوا في غيظ وكمد ؛ لأن القرآن قد نزل عليه . والحق هو القائل ما جاء على ألسنتهم :
وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ
( 31 ) [ الزخرف ] وهم بذلك قد اعترفوا بألسنتهم بعظمة القرآن ، بعد أن اعترفوا بسلوكهم بأمانة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولكنهم اعترضوا على اختيار الحق سبحانه له ، وتمنوا لو كان هذا القرآن قد نزل على أحد عظمائهم « 1 » . ورد الحق سبحانه عليهم :
أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا . . .
( 32 ) [ الزخرف ] وفي هذا دعوة لأن يتأدبوا مع اللّه سبحانه ، فهو لم يوكلهم في اختيار من ينزل عليه رحمته ، ورسالته ، ولكنه سبحانه هو الذي يختار . وهو الذي قسم بين العباد معيشتهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة . وإذا كان لأحد نعمة من مال أو جاه أو مجد ، أو غير ذلك ، فهذا ليس من قدرات البشر أو من ذواتهم ، ولكنه نعمة من اللّه .
هامش
( 1 ) القريتان هنا : مكة والطائف . وقد اختلف العلماء في تحديد الرجل العظيم المقصود . فمن مكة : الوليد بن المغيرة أو عتبة بن ربيعة . ومن الطائف : عروة بن مسعود أو عمير بن عبد ياليل . قال ابن كثير في تفسيره ( 4 / 127 ) : « الظاهر أن مرادهم رجل كبير من أي البلدتين كان » .
تفسير الشعراوى — صفحة 5244 | محمد متولي الشعراوي