تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5779

مساهمون:

ص٥٧٧٩
كان ذلك الكافر ساعة أن دعاه اللّه سبحانه بالرسل إلى الإيمان ؟ ونسيان الإنسان أمر وارد في تكوينه الفطري الأول « 1 » ؛ لأن الإنسان حين يعيش في محيط ما . فهو يحب النفع من خارجه ، وإذا امتنع عنه هذا النفع الخارجي ، فهو يأخذ النفع من ذاته ؛ من تحرّك أبعاضه وخدمتها لبعضها البعض . ثم لا يجد له مفزعا إلا أن يؤمن بمن خلقه أولا . وانظر إلى التعبير القرآني :
وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ . .
( 67 ) [ الإسراء ] إذن : فمن يعبد غير اللّه - سبحانه وتعالى - يضل عنه معبوده ، ولا يعرف كيف ينقذ من يعبده ؛ لذلك يعود المشرك إلى اللّه ، ولا يجد سواه سبحانه ، فهو الذي ينقذ الإنسان لحظة الخطر ؛ لأنه الرب الخالق هو أرحم بصنعته ، وهذه الرحمة تنقذ الإنسان حتى لو كان كافرا ، وهذا كلام منطقي ؛ لأننا شهدنا بوحدانية اللّه تعالى في عالم الذر « 2 » ؛ حينما
هامش
( 1 ) ومن هذا قول اللّه عز وجل :وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً( 115 ) [ طه ] ، فجنس الإنسان في تكوينه النسيان ، ولذلك تجاوز الشرع عن النسيان والخطأ وما استكره عليه الإنسان ، فعن ابن عباس أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إن اللّه عز وجل تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه » أخرجه الحاكم في مستدركه ( 2 / 198 ) . قال الحاكم : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، وأقره الذهبي . وحسنه ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم ( ص 442 ) طبعة مؤسسة الرسالة 1991 م . أما النسيان بمعنى التناسي والتغافل عن أوامر اللّه والالتزام بمنهج اللّه سبحانه فلا يتجاوز اللّه عنه بل يؤاخذ الإنسان به ، يقول عز وجل :فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ( 44 ) [ الأنعام ] . ( 2 ) عالم الذر : هو يوم نثر اللّه ذرية آدم من ظهره ونشرها . قال سبحانه وتعالى :وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ ( 172 ) أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَ فَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ( 173 ) [ الأعراف ]