وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً
( 51 ) [ الكهف ]
والمضلون : هم الذين يقولون لكم افتراضات غير صحيحة عن تطور القرد حتى صار إنسانا ، وأن الأرض كانت قطعة من الشمس وانفصلت عنها ؛ كل هذه افتراضات قالها من سمّاهم الحقّ سبحانه :
الْمُضِلِّينَ .
ولو لم يقل اللّه تعالى هذه الآية ، ثم جاء قوم ليقولوا : الإنسان كان في الأصل قردا ، لقلنا : إن القرآن لم يتعرض لذلك ، وكان من الممكن أن نصدقهم ، لكن اللّه سبحانه شاء لنا أن تكون لدينا المناعة ضد هذا الإضلال .
وعملية الخلق غيب عنا ، أخبرنا عنها من خلقنا سبحانه ، فلم يكن معه شاهد رأى هذا المشهد ؛ ليقول لنا . والخلق الذي به الحياة ينقضه الموت ، ولكن الموت مشهد نشهده ، وأي نقض لشئ - كما عرفنا - إنما يأتي على عكس بنائه ، فإن بنينا عمارة من عشرين طابقا ، وأردنا أن نهدمها لسبب أو لآخر ؛ فنحن نهدم الطابق العشرين أولا ، ثم نوالى الهدم بعد ذلك ، فما بنى أولا يهدم أخيرا ؛ لأن نقض كل شئ يأتي على عكس بنائه .
وبما أن الموت نقض للحياة ؛ فالروح إذا ما خرجت من الجسم ، وترك الجثمان بلا دفن ، فالجثمان يتصلّب ، ثم يصير جيفة « 1 » ، ثم يتبخر منه الماء ، ويتحلل الجسد إلى العناصر الأولى في التراب ، هذه مراحل الموت .
وقد أخبرنا الحق عن كيفية الخلق ، فبيّن أنه سبحانه خلق الإنسان من التراب والماء فصار طينا ، ثم استوى الطين ، فصوّره الحق صورة الإنسان ونفخ فيه الروح « 2 » ، وآخر مراحله في الإيجاد هي الروح ؛ لذلك فخروج الروح هو أول مرحلة في الموت .
هامش
( 1 ) الجيفة : هي جثة الميت إذا أنتنت وكان لها رائحة . والجمع جيف وأجياف . ( اللسان . مادة جيف ) .
( 2 ) وفي هذا يقول سبحانه :الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ ( 7 ) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ( 8 ) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ( 9 ) [ السجدة ] .