السطحي في الشمس والقمر لقلت : إن الشمس تعطى نورا وكذلك القمر ، ولكن النظرة الأعمق تتطلب منك أن تفرّق بين الاثنين ؛ فالشمس تعطى ضياء ، والقمر يعطى نورا . والفرق بين الضياء والنور يتمثل في أن الضياء تصحبه الحرارة والدفء ، والنور إنارة حليمة ، ولذلك يسمى نور القمر النور الحليم ؛ فلا تحتاج إلى الظل لتستظل من حرارته ، لكن الشمس تحتاج إلى مظلة لتقيك حرارتها .
إذن : فالنور هو ضوء ليس فيه حرارة ، والحرارة لا تنشأ إلا حين يكون الضوء ذاتيّا من المضئ مثل الشمس . أما القمر فضوؤه غير ذاتي ويكتسب ضوءه من أشعة الشمس حين تنعكس عليه ، فهو مثل المرآة حين تسلط عليها بعضا من الضوء فهي تعكسه .
إذن : القمر مضىء بغيره ، أما الشمس فهي تضئ بذاتها . لذلك قال الحق هنا :
جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً .
وكلمة
ضِياءً
إما أن تعتبرها مفردا مثل صام صياما ، وقام قياما ، وضاء ضياء . وإما أن تعتبرها جمعا ، مثلها مثل حوض - جمعه :
حياض ، ومثل روض - جمعه : رياض ، وكذلك جمع ضوء هو ضياء .
إذن : كلمة
ضِياءً
تصلح أن تكون جمعا وتصلح أن تكون مفردا ، وحين يجئ اللفظ صالحا للجمع وللإفراد ، لا بد أن يكون له عند البليغ ملحظ ؛ لأنه يحتمل هذه المعاني كلها ، وقبل معرفتنا أسرار ضوء الشمس وقبل تحليله ، كنا نقول : إنه ضوء ، لكن بعد أن حللنا ضوء الشمس ، وجدنا أن ألوان الطيف سبعة منها ضوء أحمر ، وضوء أخضر ، وضوء أصفر ، وغيرها « 1 » .
هامش
( 1 ) ضياء تصلح للإفراد باعتبار أن الضياء مصدر ألوان الطبيعة ، وتصلح للجمع باعتبار الألوان المنبثقة من الضياء ، وهذه إشارة لأسرار اللّه في كونه .