تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5201

مساهمون:

ص٥٢٠١
والمؤمن يفرح حين ينتقل من الدنيا الفانية إلى الحياة الخالدة الباقية ، ومن النعمة إلى المنعم ، ومن الحياة بالأسباب إلى الحياة مع المسبّب ، فنحن في الدنيا لا بد أن نأخذ بالأسباب لنصنع ما نريد ، والمثال : أنك إن أردت أن تأكل فلا بد من أن تطهو الطعام أو أن يعدّه لك غيرك ، وإن أردت أن تلبس فلا بد لك ممن يصنع لك القماش ويحيك الثوب . ووراء كل نتيجة توجد سلسلة طويلة من الأسباب . فهناك الذي يزرع ، والذي يحصد ، والذي ينقل إلى المطحن أو إلى المصنع ، والذي يطحن الدقيق أو ينسج القماش ، أما في الآخرة فلا توجد أسباب ، بل بمجرد أن يخطر الشيء على بالك تجده أمامك ، أليست هذه حياة نعيم ؟ إذن : فالذي تنفرج أساريره ساعة الموت هو المؤمن « 1 » ، والذي ينقبض وجهه ويتشنج عندما يأتيه ملك الموت هو الكافر والعاصي ؛ لأنه سينتقل من نعيم حتى ولو كان نسبيا إلى عذاب رهيب . وقد قيل للإمام على رضى اللّه عنه : يا إمام ، أريد أن أعرف نفسي أأنا من أهل الدنيا أم من أهل الآخرة ؟ فقال الإمام علىّ : اللّه أرحم من أن يجعل جواب هذا السؤال عندي وجعل جواب السؤال عندك أنت ، إن كنت تحب من يدخل عليك وهو يريد أن يأخذ منك أكثر مما تحب من يدخل عليك وهو يريد أن يعطيك هدية تكون من أهل الآخرة . أي : إذا دخل عليك إنسان يطلب صدقة أو مالا فاستقبلته بترحاب وتحية وتعطيه وأنت مسرور تكون من أهل الآخرة ؛ لأنك تعرف أنه أخذ منك في الفانية ما يحمله لك أجرا في الآخرة التي تعمل من أجلها ، ولذلك تحبه .
هامش
( 1 ) قال الحسن البصري : لا راحة للمؤمن إلا في لقاء اللّه ، ومن كانت راحته في لقاء اللّه تعالي فيوم الموت يوم سروره وفرحه وأمنه وعزه وشرفه . ( انظر : إحياء علوم الدين 4 / 465 ) .