لدرجة أنهم في الأزمان السابقة حين كانوا يريدون تفتيت الجبل الصخرى ، قبل اختراع « الديناميت » ، كانوا ينقرون ثقبا في الجبل الصخرى ، ثم يضعون فيه وتدا من الخشب ، ويدقون في هذا الثقب خشبا جافا ثم يقطرون عليه مياها ، ولحظة أن يتشرب الخشب بالمياه ينفجر الجبل .
وأنت حين تضع الحبة في الأرض ، فالحبة تخرج نبتا بسيطا ؛ لتتكون منها الجذور التي تمتص الغذاء من الأرض ، أما قبل ذلك فكانت الحبة تضم الغذاء الذاتي اللازم لتنشئة الجذر ، ثم يشبك الجذر في الأرض . وترقّ فلقتا الحبة إلى أن تصيرا ورقتين خضراوين ، ولم يعرف الإنسان أسرار تلك المسألة إلا حديثا ، فهي من الكونيات المسخرة للإنسان قبل أن يبحثها علميّا .
وأنت حينما تذهب لتزرع فإنك لا تزرع بقوتك ، بل بقوة من سخّر الأرض لك ، وحين تأتى لتزرع وتقول : باسم اللّه أزرعك ، فهذا إقرار منك بأن الحق سبحانه هو الذي سخر لك الأرض لتزرعها ، وحين تريد حمل شئ ثقيل وتقول : باسم اللّه أرفعك ، فأنت تستثمر قوة من الذي خلقك ؛ لأنك قد تأتى لرفع الشئ الثقيل فلا تصل الأوامر من المخ وقد تتعطل اليد .
إذن : فإن أقبلت على كل عمل ، فافهم أنك لا تقبل عليه بقدرة منك على العمل ، ولكن بتفضّل المسخّر للمنفعل لك . فادخل على كل عمل وقل : باسم اللّه أحرث ، وباسم اللّه أزرع ، وباسم اللّه أذاكر ، وباسم اللّه أصنع ؛ لأنه هو سبحانه الذي سخّر لك كل شئ .
ولذلك قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « كل عمل لا يبدأ باسم اللّه فهو أبتر » « 1 » .
هامش
( 1 ) الأبتر : الأقطع ، وهي صيغة أفعل تؤدى معنى المبالغة ، والبتر : القطع . ومنه قوله تعالى :إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ( 3 ) [ الكوثر ] أي المقطوع الذكر . والمقصود أن العمل إذا لم يبدأ فيه ببسم اللّه أو بالحمد فهو مقطوع الخير وغير تام .