تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5465

مساهمون:

ص٥٤٦٥
كل منهما بنفسه . ولذلك حين جاء سيدنا عمر ، وكاد أن يركل جثة أحدهما قال الرسول : « دعها يا عمر فقد تابت توبة لو وزعت على أهل الأرض لوسعتهم » « 1 » . وكون أبى لبابة يربط نفسه بالسارية ، فهذا يدل على أن المؤمن إذا اختمرت في نفسه قضية الإيمان ، فإنه لا يترك نفسه إلى أن يلقاه اللّه بعذابه ، بل يقول : لا ، أنا أعذب نفسي كي أنجو من عذاب اللّه ، فهو قد تيقن أن هناك عذابا في الآخرة أقسى من هذا العذاب . فلما اعترفوا بذنوبهم وراجعوا أنفسهم متسائلين : ما الذي شغلنا عن الغزو ، وجعلنا نعتذر بالكذب ؟ وجدوا أنهم في أثناء غزوة تبوك وقد كانت في الحر ، وفيه كانت تطيب جلسات العرب تحت الظلال وأن يأكلوا من التمر . فقالوا : واللّه ، إن المال هو الذي شغلنا عن الغزو وجعلنا نرتكب هذا الذنب ، ولا بد أن نتصدق به ؛ لذلك قلنا : إن هذه لم تكن الصدقة الواجبة ، بل هي صدقة الكفارة . وهؤلاء قالوا للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : خذ هذا المال الذي شغلنا عن الجهاد ، فلم يقبل حتى ينزل قول من اللّه ، فأنزل الحق قوله :

[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 103 ]

خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 103 ) هذه هي الصدقة غير الواجبة ؛ لأنها لو كانت الصدقة الواجبة لما احتاجت إلى أمر جديد ، بل هي صدقة الكفارة .
هامش
( 1 ) وذلك أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أمر بالمرأة فرجمت . ثم صلى عليها . فقال له عمر : تصلى عليها يا نبي اللّه وقد زنت ؟ . فقال : « لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم ، وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها للّه تعالى » أخرجه مسلم في صحيحه ( 1696 ) وأحمد في مسنده ( 4 / 440 ) .