اعتذروا بأعذار صادقة ، وآخرين اعتذروا باعتذارات كاذبة ، وهم قد
اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ
أي : أعلنوا أن اعتذاراتهم عن الغزوة لم تكن حقيقية وأنه لم يكن عندهم ما يبرر تخلفهم عن الغزو ؛ فهؤلاء تاب اللّه عليهم في نفوسهم أولا ، ورسول اللّه لا يزال في الغزوة في تبوك التي تخلفوا عنها .
ثم عاد الرسول من الغزوة ، ودخل المسجد كعادته حين يرجع إلى المدينة ، وأول عمل كان يعمله بعد العودة هو أن يدخل المسجد ، ويصلى فيه ركعتين « 1 » . فوجد أناسا قد ربطوا أنفسهم بسوارى المسجد وهي الأعمدة فسأل عن هؤلاء ، فقالوا : هؤلاء قوم تخلفوا وكانت أعذارهم كاذبة لكنهم اعترفوا بذنوبهم ، وقد عاهدوا اللّه ألا يحلوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تحلهم وترضى عنهم فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى أؤمر بإطلاقهم ؛ رغبوا عنى وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين » « 2 » . فلما أنزل اللّه هذه الآية حلهم رسول اللّه ومنهم : أبو لبابة .
ولذلك من يذهب ليزور المدينة إن شاء اللّه ، سيجد أسطوانة اسمها « أسطوانة أبى لبابة » وهو أول من ربط نفسه على الساري ، وقلده الآخرون . وهذا يدلك على أن المؤمن حين تختمر في نفسه قضايا الإيمان فهو لا ينتظر أن يعاقب من اللّه ، بل يبادر هو إلى أن يعاقب نفسه .
ومثال ذلك : المرأة التي زنت ، والرجل الذي زنا ، واعترفا لرسول اللّه ليرجمهما « 3 » ، ومعنى ذلك أنهما لم ينتظرا حتى يعذبهما اللّه ، بل ذهب
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في صحيحه ( 2769 ) ضمن حديث طويل عن كعب بن مالك في توبته من تخلفه عن غزوة تبوك مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وأخرجه مختصرا أحمد في مسنده ( 3 / 455 ) وأبو داود في سننه ( 2773 ) .
( 2 ) انظر سبب نزول الآية في تفسير القرطبي ( 4 / 3168 ) وأسباب النزول للواحدي ( ص 148 ) .
( 3 ) الرجل هو ماعز بن مالك الأسلمي ، أخرج قصته البخاري في صحيحه ( 6815 ) ومسلم ( 1691 ) وفي بعض طرق مسلم أن ماعزا قال : يا رسول اللّه إني قد ظلمت نفسي وزنيت وإني أريد أن تطهرني . أما المرأة فهي الغامدية . أخرج قصتها مسلم ( 1695 ) .