لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ . . .
( 286 ) [ البقرة ]
لأن الاكتساب بالحرام فيه افتعال يتعب النفس ، ولا يجعلها منسجمة مع جوارحها ، فالرجل مع زوجته في البيت مستقر الجوارح لا يخشى شيئا .
لكنه مع زوجة غيره يهيج جوارحه ؛ فيقفل النوافذ ويطفئ الأنوار . وإن دقّ جرس الباب يصاب بالذعر والهلع ؛ لأن ملكات النفس ليست منسجمة مع العمل .
أما إذا اعتادت النفس الإثم مثل من اعتاد الإجرام ، فلا يهيجها الحرام .
وفي هذه الحالة تنقلب عملية الاكتساب إلى كسب ، وتعتاد النفس على المعصية وعلى الإثم ، ويصبح جزاؤها عند اللّه أليما وعذابها عظيما .
ويقول الحق سبحانه في هذه الآية :
جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ
وكان مقتضى الكلام أن يقال : « جزاء بما كانوا يكتسبون » لأن هذه عملية فيها إثم وفيها معصية ، فلا بد أن يكون فيها افتعال ، ولكن الحق سبحانه وتعالى يلفتنا إلى أن هؤلاء المنافقين قد اعتادوا المعصية ، وعاشوا في الكفر ، فأصبحت العملية سهلة بالنسبة لهم ، ولا تحتاج منهم أي افتعال .
واقرأ قول الحق :
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ . . .
( 38 ) [ المائدة ]
والسرقة ليست أمرا طبيعيا ، لذلك يقوم بها السارق خفية ويبيّت لها ويفتعل ؛ ولذلك كان من المنطقي أن يقال « اكتسبوا » لكن شاء الحق أن نعرف أن السرقة قد أصبحت في دم هؤلاء ، ومن كثرة ما ارتكبوها فهي بالنسبة لهم عملية آلية سهلة . وقد وضع التشريع لها نطاقا وهو ربع دينار مثلا « 1 » . والذي يسرق دون هذا النطاق لا يطبق عليه حدّ قطع اليد . لماذا ؟
لأن ربع الدينار في ذلك الوقت كان يكفى لقوت أسرة متوسطة العدد لمدة
هامش
( 1 ) عن عائشة رضى اللّه عنها قالت : « كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقطع السارق في ربع دينار فصاعدا » أخرجه مسلم ( 1684 ) وأحمد ( 6 / 36 ) والترمذي ( 1445 ) وقال : حسن صحيح .