تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5382

مساهمون:

ص٥٣٨٢
فقول الحق سبحانه وتعالى :
فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ
يعطينا العلة أو السبب في أن ضحكهم سيكون قليلا ، وبكاءهم سيكون كثيرا ؛ لأن هذا جزاء ما فعلوه في الدنيا . لقد فرحوا بالفرار من الجهاد . وسرّوا بالراحة في المدينة ، فلا بد أن يلاقوا في الآخرة جزاءهم عن هذا العمل ، كما سيثاب المؤمنون على ذهابهم للجهاد في الحرّ . إذن : فالحق سبحانه لم يظلمهم ، بل أعطاهم جزاء ما عملوه . كما قال :
جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ
وكلمة
يَكْسِبُونَ
هنا لها ملحظ لا بد أن نبيّنه ، فقد كان من الممكن أن يقال « جزاء ما كانوا يعملون » ، أو « جزاء ما كانوا يفعلون » ، فلماذا جاء الحق ب
يَكْسِبُونَ ،
وما الفرق بينها وبين « ما يفعلون » و « ما يعملون » ؟ نعلم أن لكل جارحة من جوارح الإنسان مجال عمل ؛ فالأذن تسمع ، والعين ترى ، واليد تمسك ، والقدم تمشى ، والأنف يشمّ ، والأنامل تلمس . إذن : فكل عضو له مهمة . فإن كانت المهمة هي النطق باللسان نسميها القول . وإن كانت مهمة من مهام باقي الجوارح عدا اللسان نسميها الفعل . فاللسان وحده أخذ القول ، وكل الجوارح أخذت الفعل . والقول والفعل معا نسميهما عملا . فإذا قال الحق سبحانه وتعالى : « يفعلون » يكون ذلك مقابل يقولون ؛ لأن الإنسان قد يقول بلسانه ولا يفعل بجوارحه . وتوضح ذلك الآية الكريمة :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ ( 2 ) كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ
( 3 ) [ الصف ] ولكن إذا اتحد القول والفعل يكون هناك عمل . وكل شئ لا يتسق منطقيا مع قيم المنهج يكون فيه افتعال ، فالكسب عمل ، والاكتساب افتعال الكسب ؛ لأن الكسب عمل طبيعي ، والاكتساب هو افتعال الكسب . وسبحانه يقول :