نقول : إن الجهاد معهم هو توقيع العقاب عليهم « 1 » ، وقد كان المنافقون يرتكبون الإثم ، ويسألهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فينكرونه ، فيصفح عنهم ، ويوضح الحق سبحانه لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم : أغلظ عليهم إذا ارتكبوا إثما ، وقد وجدنا في سورة التوبة أن المنافقين يحلفون كذبا في كثير من الأمور ، فيذكر الحق سبحانه :
وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ . . .
( 56 ) [ التوبة ]
يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ . . .
( 74 ) [ التوبة ]
يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ . . .
( 62 ) [ التوبة ]
وفي سورة المجادلة يقول سبحانه :
وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
( 14 )
فكأنما كلما حلفوا صدّقهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وعفا عنهم ، ففضحهم اللّه بأنهم كاذبون ، وطلب من رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم أن يغلظ عليهم في العقوبة . ولكن هل غلظة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم معهم تعفيهم من عقاب الآخرة ؟ نقول : لا ؛ لأن الغلظة عليهم في الدنيا لضمان سلامة حركة الحياة ، وليعلم كل منافق أنه مفضوح من اللّه . ولكن هذا لا يعفى من عقاب الآخرة .
ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى :
وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ
والمصير هو المرجع الأخير لأي شئ ، وكل عقوبة يكون لها مظنة ألا تمتد إلى الفترة المقررة لها ، فالذي عاقب قد يعفو ، وقد يخرج الإنسان قبل انتهاء مدة العقوبة ؛ كأن يكون هناك إفراج صحى ، أو بقضاء ثلاثة أرباع
هامش
( 1 ) قال الحسن البصري في معنى هذه الآية بالنسبة للمنافقين : « جاهد المنافقين بإقامة الحدود عليهم وباللسان ، وكانوا أكثر من يصيب الحدود » . وقد رد أبو بكر بن العربي على هذا « بأن العاصي ليس منافقا ، إنما المنافق بما يكون في قلبه من النفاق كامنا ، لا بما تتلبس به الجوارح ظاهرا ، وأخبار المحدودين يشهد سياقها أنهم لم يكونوا منافقين » انظر تفسير القرطبي ( 4 / 3129 ) .