تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5285

مساهمون:

ص٥٢٨٥
وحين يقول سبحانه :
أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ
فالبينات هي الشئ الذي يبين لك ما هو الحق ، والمعجزات التي صاحبت الرسالات السماوية بيّنت وأكّدت أن الرسول مبلّغ عن ربه ، وكانت المعجزة واضحة تماما ليراها كل قوم رؤية تسمح باستيعابها . ولذلك كان كل رسول يأتي بآية يجمع الكل على أنها معجزة . فأنت قد تأتى بشئ عجيب ، ولكن لا يجمع الناس على أنه معجزة ، فعندما اخترع الفانوس السحرى ، قال بعض الناس : إنه شئ عجيب . وبعضهم قال : إنه خداع نظر . ولكن معجزات الرسل لا بد أن تستوعبها كل مستويات العقول ، يستوعبها المتعلم والذي لم يقرأ حرفا في حياته ؛ لأن الدين دين فطرة يخاطب أكبر العقول وأكثرها علما كما يخاطب عقل البدوي الذي يقضى حياته كلها في الصحراء ؛ لا يعرف شيئا ولم يعش حضارة ولم يدرس علما . إذن : فالمعجزات لا بد أن تكون واضحة لكل المستويات ؛ حتى لا يكون هناك عذر لأحد . ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى :
فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ،
وهذا دليل على أن الحق سبحانه وتعالى يحاسبهم على قدر استيعابهم للمعجزة ، فكأن كل العقول قد فهمت وأيقنت أن هناك معجزة . والذين استقبلوا المعجزة بالكفر ظلموا أنفسهم ؛ لأنهم بعد أن استوعبوا المعجزة ، وتحققوا أنها خرق لقوانين الكون ولا يمكن أن يأتي به إلا اللّه سبحانه وتعالى ، ولكنهم رغم ذلك رفضوا الإيمان . ويقول الحق عنهم :
فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
والظلم أنك تأخذ حقّا وتنقله إلى الباطل . ولكن الحقوق مختلفة ، فأىّ حق ذلك الذي نقلته إلى الباطل ؟ إنه حق الوجود الأعلى الواجب الإيمان به وعبادته .