وتعالى الذي سخر الكافر لخدمة الإيمان ، ألم يكن دليل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في هجرته من مكة إلى المدينة هو عبد اللّه بن أريقط ، وكان ما زال على الكفر « 1 » ، فكأن اللّه سبحانه وتعالى يسخر له الكافر ليكون دليله في رحلته من مكة إلى المدينة . وهكذا عمل الكافر في خدمة الإيمان ، وفي الوقت نفسه فكل ما رصدته قريش من جعل « 2 » لمن يدلّها على مكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يغر الدليل الكافر بالخيانة ، بل أدخل اللّه على قلب الكافر ما يجعله أمينا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم .
الحق سبحانه يقول :
وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى ،
ولقد أراد الكفار القضاء على الدعوة بقتل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، أو نفيه بإخراجه إلى مكان بعيد ، أو سجنه « 3 » ، وأراد اللّه سبحانه وتعالى أن يلفتنا إلى أن الباطل لا يمكن أن يعلو على الحق ، وأن الحق دائما هو الأعلى ، ولذلك قال سبحانه وتعالى :
وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى
ولا يجعل اللّه كلمة الكفار السفلى إلا إذا كانت في وقت ما في علوّ . وإن كان علوها هو علو الزّبد على الماء الذي قال عنه الحق سبحانه وتعالى :
فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ
[ الرعد : 17 ]
هامش
( 1 ) عن عائشة قالت : « استأجر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأبو بكر رجلا هاديا خريتا ؟ ( أي ماهرا بالهداية ) . . . وهو على دين كفار قريش ، فأمنّاه ، فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال . . . » الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ( 2263 ) . وقد كان ماهرا فعلا بدروب الطريق إلى المدينة . انظر تفاصيل الطريق الذي سلكه بهما في سيرة النبي لابن هشام ( 2 / 104 - 108 ) .
( 2 ) الجعل : هو ما رصده كفار قريش مكافأة لمن يدلهم على محمد من مال وغيره .
( 3 ) ويقول عز وجل في هذا :وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ[ الأنفال : 30 ] . ومعنى يثبتوك : يجرحوك جراحة . . لا تقوم معها أو ليحبسوك