تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5128

مساهمون:

ص٥١٢٨
وجعل سراقة بن مالك يقول : لا يمكن أن يكون محمد وصاحبه دخلا الغار ، وإلا لكانا قد حطّما عشّ الحمام ، وهتكا نسيج العنكبوت . ونحن نعلم أن أوهى البيوت هو بيت العنكبوت ، فالحق سبحانه وتعالى يقول :
وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ
[ العنكبوت : 41 ] ويظهر الإعجاز الإلهى هنا في : أن اللّه سبحانه قد صد مجموعة كبيرة من المقاتلين الأقوياء بأوهى البيوت ، وهو بيت العنكبوت ، وقدرة اللّه تجلّت في أن يجعل خيط العنكبوت أقوى من الفولاذ ، وكذلك شاء الحق أن يبيض الحمام وهو أودع الطيور ، وإن أهيج هاج . وهذا نصر ، ثم هناك نصر ثالث نفسي وذاتي ، فحين قال أبو بكر رضى اللّه عنه لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا ، نجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يرد في ثقة بربه : « ما ظنك باثنين اللّه ثالثهما » « 1 » . هذا الرد لا ينسجم مع سؤال أبى بكر ؛ لأن أبا بكر كان يخشى أنهم لو نظروا تحت أقدامهم لرأوا من في الغار ، وكان الرد الطبيعي أن يقال : « لن يرونا » ، ولكن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أراد أن يلفتنا لفتة إيمانية إلى اللازم الأعلى ، فقال : « ما ظنك باثنين اللّه ثالثهما » ، لأنه ما دام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأبو بكر في معية اللّه ، واللّه لا تدركه الأبصار ؛ فمن في معيته لا تدركه الأبصار . وتكون كلمة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الذي تعوّد أبو بكر منه الصدق في كل ما يقول ، تكون هي الحجة على صدق ما قال ، فعند ما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : إنه أسرى به إلى بيت المقدس وعرج به إلى السماء ، قال أبو بكر :
هامش
( 1 ) متفق عليه . أخرجه البخاري في صحيحه ( 4663 ) ومسلم في صحيحه ( 2381 ) .