تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5126

مساهمون:

ص٥١٢٦
ففكرة الهجرة مسبقة مع البعثة ؛ ولأن البعثة هي الصيحة التي دوّت في آذان سادة قريش وهم سادة الجزيرة . ولو صاحها في آذان قوم ليسوا من سادة العرب لقالوا : استضعف قوما فصاح فيهم ، ولكن صيحة البلاغ جاءت في آذان سادة الجزيرة العربية كلها ، فانطلقوا في تعذيب المسلمين ليقضوا على هذه الدعوة . وشاء اللّه سبحانه وتعالى ألا ينصره بقريش في مكة ؛ لأن قريشا ألفت السيادة على العرب ، فإذا جاء رسول لهداية الناس عامة إلى الإسلام ، لقال من أرسل فيهم : لقد تعصبت له قريش لتسود الدنيا كما سادت الجزيرة العربية . فأراد الحق سبحانه أن يوضح لنا : لا . لقد كانت الصيحة الأولى في آذان سادة العرب ، ولا بد أن يكون نصر الإسلام والانسياح الديني لا من هذه البلدة بل من بلد آخر ؛ حتى لا يقال : إن العصبية لمحمد هي التي خلقت الإيمان برسالة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . ولكن الإيمان برسالة محمد هو الذي خلق العصبية لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم . ويلاحظ في أمر الهجرة أن فعلها « هاجر » . وهذا يدلنا على أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يهجر مكة ، وإنما هاجر ، والمهاجرة مفاعلة من جانبين ، فكأن قومه أعنتوه فخرج ، والإخراج نفسه فيه نصر ؛ لأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خرج وحده من بيته ؛ الذي أحاط به شباب أقوياء من كل قبائل العرب ليضربوه ضربة رجل واحد ، وينثر عليهم التراب فتغشى أبصارهم ، وكان أبو بكر رضى اللّه عنه ينتظره في الخارج « 1 » ، وكأن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يثبت لهم أنهم لن ينالوا من محمد ؛ لا بتآمر خفى ، ولا بتساند علني . وهذا نصر من اللّه .
هامش
( 1 ) ليس المعنى هنا أن أبا بكر رضى اللّه عنه كان ينتظر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خارج البيت أو في مكان قريب منه ، ولكن المقصود أنه صلّى اللّه عليه وسلّم خرج وحده من بيته ليلا واخترق صفوف أربعين فتى قويا قد شهروا سيوفهم لقتله إن هو خرج من بيته وكان وحده ، فالثابت في السيرة أن أبا بكر كان في بيته مع أهل بيته وقت الظهيرة وجاءه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم متخفيا وقال له : « إني قد أذن لي في الخروج » فقال أبو بكر : الصحبة بأبى أنت يا رسول اللّه . فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : نعم . وتواعدا ثم خرجا من خوخة في ظهر بيت أبى بكر . أخرجه البخاري ( 3905 ) وأحمد ( 6 / 198 ، 212 ) وأبو نعيم في دلائل النبوة ( ص 270 ) وسيرة ابن هشام ( 2 / 97 ) .