ويتابع الحق سبحانه :
إِذْ هُما فِي الْغارِ ،
ويتأكد في الغار نصر آخر . ذلك أن قصاص الأثر الذي استعانت به قريش واسمه كرز بن علقمة من خزاعة قد تتبع الأثر حتى جاء عند الغار ، وقال : هذه قدم محمد وهو أشبه بالموجود في الكعبة ، أي أشبه بأثر قدم إبراهيم عليه السّلام ، ثم قال : هذه قدم أبى بكر أو قدم ابنه وما تجاوزا هذا المكان . وكان قصاص الأثر يتعرف على شكل القدم وأثره على الأرض . وأضاف : إنهما ما تجاوزا هذا المكان ، إلا أن يكونا قد صعدا إلى السماء أو دخلا في جوف الأرض . وبالرغم من هذا التأكيد فإنهم لم يدخلوا الغار ، ولم يفكر أحدهم أن يقلب الحجر أو يفتش عن محمد وصاحبه ، مع أن هذا أول ما كان يجب أن يتبادر إلى الذهن ، فمادامت آثار الأقدام قد انتهت عند مدخل الغار كان يجب أن يفتشوا داخله . لكن أحدا لم يلتفت إلى ذلك .
وجاء واحد منهم وأخذ يبول ، فجاء بعورته قبالة الغار ، وهذا هو السبب في قول أبى بكر لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لرآنا .
فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بفطنة النبوة : لو رأونا ما استقبلونا بعوراتهم « 1 » وهذا دليل على أن العربي كان يأنف أن تظهر عورته ، أو هي كرامة لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ألا يريه عورة غيره ، وليأخذها القارئ كما يأخذها ، وهي على كل حال فيض إلهامى لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، كذلك جعل الحق سبحانه العنكبوت ينسج خيوطه على مدخل الغار ، وجعل الحمام يبنى عشّا فيه بيض ،
هامش
( 1 ) قد جاء هذا في أحاديث فيها مقال ، فعند الطبراني من حديث أسماء بنت أبي بكر « فقال أبو بكر - لرجل مواجه الغار - : يا رسول اللّه إنه ليرانا . فقال : كلا إن ملائكة تسترنا بأجنحتها فجلس ذلك الرجل فبال مواجه الغار فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : لو كان يرانا ما فعل هذا » فيه يعقوب بن حميد وثقة ابن حبان وغيره وضعفه أبو حاتم وغيره ، وبقية رجاله رجال الصحيح . قاله الهيثمي في المجمع ( 6 / 54 ) وعند أبي يعلى الموصلي في مسنده من حديث أبي بكر الصديق قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « لو رآنا لم يستقبلنا بعورته » وفيه موسى بن مطير وهو متروك . وانظر فتح الباري ( 7 / 11 )