تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5098

مساهمون:

ص٥٠٩٨
والنسئ هو التأخير ، فكأنهم إذا ما دخلوا في قتال وجاء شهر حرام قالوا : ننقله إلى شهر قادم ، واستمروا في قتالهم ؛ وهم بذلك قد أحلّوا الشهر الذي كان محرما وجعلوا الشهر الذي لم تكن له حرمة ؛ شهرا حراما ، وهنا يوضح الحق سبحانه أن هذا العمل زيادة في الكفر ؛ لأنه أدخل في المحلل ما ليس منه ، وأدخل في المحرم ما ليس منه ؛ لأن الكفر هو عدم الإيمان فإذا بدّلت وغيّرت في منهج الإيمان ، فهذا زيادة في الكفر . ثم يقول سبحانه :
يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً
و
يُضَلُّ
هنا مبنية للمجهول ؛ ومعنى ذلك أن هناك من يقوم بإضلال الذين كفروا ، وهذه مهمة الشيطان ؛ لأن هناك فرقا بين الضلال والإضلال ، فالضلال في الذات والنفس ، أما الإضلال فيتعدى إلى الغير ، فهناك ضال لا يكتفى بضلال نفسه ، بل يأتي لغيره ويضله ويغويه على المعصية بأن يزينها له . ولذلك هناك جزاء على الضلال ، وجزاء أشد على الإضلال ، فإذا كان هناك إنسان ضال فهو في نفسه غير مؤمن ، أي أن ضلاله لم يتجاوز ذاته ، ولم ينتقل إلى غيره . ولكن إذا حاول أن يغرى غيره بالضلال والمعصية يكون بذلك قد ضلّ وأضلّ غيره . ويتخذ بعض المستشرقين هذه القضية مطعنا في القرآن - بلا وعى منهم أو فهم - فيقولون : إن القرآن يقول :
وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى . . .
( 18 ) [ فاطر ] ثم يأتي في آية أخرى فيقول :
وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ . . .
( 13 ) [ العنكبوت ] فكيف يقول القرآن : إن أحدا لا يتحمل إلا وزره ، ثم يقول : إن هناك من سيتحمل وزره ووزر غيره ؟