الجوارح لها مدخل في عدم إنفاق المال في سبيل اللّه . كيف ؟ مثلا : تجدون الوجه هو أداة المواجهة ، وإذا رأيت إنسانا فقيرا متجها إليك ليطلب صدقة ، وأنت تعرف أنه فقير وقد جاءك لحاجته الشديدة ، فإن كان أول ما تفعله حتى لا تؤدى حق اللّه أن تشيح بوجهك عنه ، أو تعبس ويظهر على وجهك الغضب ، فإن هذا الفقير يحس بالمهانة والذلة ؛ لأن الغنى قد تركه وابتعد عنه ، فإذا لم تنفع إشاحة الوجه واستمر الفقير في تقدمه من الغنى ، فإنه يعرض عنه بأن يدير له جنبه ليحس بعدم الرضا ، فإذا استمر الفقير واقفا بجانبه فإنه يعطى له ظهره .
إذن : فالجوارح الثلاث قد تشترك في منع الإنفاق في سبيل اللّه ، وهي الوجه الذي أداره بعيدا ، ثم أعطاه جانبه ، ثم أعطاه ظهره . هذه هي الجوارح الثلاث التي تشترك في منع حق اللّه عن الفقير ، ولذلك لا بد أن تعذّب فتكوى الجباه والجنوب والظهور .
ثم يقول الحق تبارك وتعالى :
هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ ،
أي : هذا ما منعتم فيه حق اللّه ، فإن كنز الإنسان مالا كثيرا فسيكون عذابه أشد ممن كنز مالا قليلا ؛ لأن الكىّ سيكون بمساحة كبيرة ، أما إن كان الكنز صغيرا فتكون الكية صغيرة . ولهذا لا يجب أن يغتر المكتنز بكمية ما كنز ؛ لأن حسابه سوف يكون على قدر ما كنز .
وقوله سبحانه وتعالى :
فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ
أي : أن عذابكم في الآخرة سيكون بسبب كنزكم المال ، فالمال الذي تفرحون بكنزه في الدنيا كان يجب أن يكون سببا في حزنكم ؛ لأنكم تكنزون عذابا لأنفسكم يوم القيامة ، ومهما أعطاكم كنز المال من تفاخر وغرور في الحياة الدنيا ، فسوف يقابله في الآخرة عذاب ، كلّ على قدر ما كنز .