تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5061

مساهمون:

ص٥٠٦١
وكما يحث الإسلام على استثمار المال ، يطالبنا أيضا بألا يذهب المال إلى الناس بغير عمل ؛ حتى لا يعتادوا على الكسب مع الكسل وعدم العمل . ولذلك قيل : إذا كثر المال ولم تكن هناك حاجة إلى مشروعات جديدة ، فلا تترك الناس عاطلين ؛ بل عليك أن تأمرهم ولو بحفر بئر ثم تأمرهم بطمّها أي ردمها ، في هذه الحالة سيأخذ العمال أجر الحفر والردم ، فلا تنتشر البطالة ويتعود الناس أن يأكلوا بدون عمل ؛ لأن هذا أقصر طريق لفساد المجتمع . إذن : فالحق سبحانه وتعالى يريد للمال أن يتحرك ولا يكنز ؛ ولذلك قال المولى سبحانه وتعالى :
وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ
لأنهم بكنزهم المال إنما يوقفون حركة الحياة التي أرادها اللّه تعالى لكونه . وأنت ترى العالم الآن يعيش في غائلة البطالة ؛ لأن المال لا يتحرك لعمارة الكون ، بل هناك من يكتنزون فقط . ولقائل أن يقول : ولكن الناس الآن يتعاملون بالنقد الورقى ، بينما ذكر اللّه سبحانه وتعالى الذهب والفضة ؛ نقول : إن العملة الورقية ليست نقدا بذاتها ، ولكنها استخدمت لتعفى الناس من حمل كميات كبيرة وثقيلة من الذهب والفضة ، قد لا يقدرون على حملها ، إذن فهي عملية للتسهيل ، وهي منسوبة إلى قيمتها ذهبا ، إذن : فالذين يكنزون العملة الورقية ولا ينفقونها فيما يعمر بها الكون وتتم عمارته تنطبق عليهم الآية الكريمة « 1 » . ولكن الكنز في هذه الآية لا يأتي فقط بمعنى الجمع ؛ ولكنه أيضا بمعنى أنهم لا يؤدون حق اللّه فيها . ولذلك فإن المال الذي أخرجت زكاته لا يعدّ كنزا ، لأنه يتناقص بالزكاة عاما بعد آخر ؛ أما المال المكنوز فهو المال الذي لا تؤدّى زكاته .
هامش
( 1 ) قال القرطبي في تفسيره ( 4 / 3049 ) : « الكنز أصله في اللغة الضم والجمع ، ولا يختص ذلك بالذهب والفضة . ألا ترى قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « ألا أخبركم بخير ما يكنز المرء : المرأة الصالحة » أي يضمه لنفسه ويجمعه . وخص الذهب والفضة بالذكر لأنه مما لا يطلع عليه بخلاف سائر الأموال . قال الطبري : الكنز كل شئ مجموع بعضه إلى بعض ، في بطن الأرض كان أو على ظهرها » . والحديث الذي ذكره القرطبي هنا أخرجه أبو داود في سننه ( 1664 ) والحاكم في مستدركه ( 1 / 409 ) ( 2 / 333 ) وصححه وأقره الذهبي في الموضع الأول .