تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5021

مساهمون:

ص٥٠٢١
وهو رسول من أنفسهم ، فهم يعرفونه حق المعرفة ، كما أن المعجزة التي جاء بها صلّى اللّه عليه وسلّم من جنس فصاحتهم ، فإذا كذبوه فهم مخطئون ، ورغم هذا كذبوه ولم يؤمنوا به ، أما خارج الجزيرة فالرسول ليس منهم ، والقرآن لم ينزل بلغتهم ، وكان عليهم أن يأخذوا من المنهج التطبيق المناسب . وهكذا نرى أن مصادمة الإيمان لم تكن من مشركي مكة فقط ، بل كانت أيضا من بعض يهود المدينة وبعض من نصارى نجران ، وإذا كان الحق سبحانه وتعالى قد حدد في هذه السورة موقف الإيمان من المشركين به ، فقد أراد أيضا أن يحدد موقف الإيمان من أهل الكتاب . ونحن نعرف أن هناك فرقا بين أهل الشرك وأهل الكتاب ، فالمشركون لم يكونوا يؤمنون بالله إلها واحدا بل معه شركاء ، ولكن أهل الكتاب يؤمنون بالإله ويؤمنون برسول وكتاب سماوي ، وهم بذلك أقرب إلى الإيمان . ولذلك نجد القرآن الكريم يعرض لنا مثل هذه القضية كطبيعة فطرية ، فنجد أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قد حزن هو وصحابته حين غلبت الروم في أدنى الأرض « 1 » . لماذا حزن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وهو يعلم أن الروم سيقفون أيضا ضده ؟ لقد حزن صلّى اللّه عليه وسلّم لأنهم يؤمنون أن للكون خالقا واحدا وأن له رسلا يوحى إليهم وأن له كتبا منزلة ، لكن الأمر يختلف بالنسبة للمشركين ، فهم يكفرون بالله وهذا قمة الكفر . صحيح أن بعضا من أهل الكتاب وقفوا مع المشركين في موقف العداء
هامش
( 1 ) عن ابن عباس رضى اللّه عنهما قال : كان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس لأنهم أهل كتاب ، وكان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم لأنهم أهل أوثان ، فذكر ذلك المسلمون لأبى بكر رضى اللّه عنه فذكر ذلك أبو بكر للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : أما إنهم سيهزمون فذكر أبو بكر لهم ذلك فقالوا : اجعل بيننا وبينك أجلا فإن ظهروا كان لك كذا وكذا وإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا فجعل بينهم أجل خمس سنين فلم يظهروا فذكر ذلك أبو بكر للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : ألا جعلته - أراه قال : دون العشرة - قال : فظهرت الروم بعد ذلك فذكر قوله تعالىألم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَقال : فغلبت الروم ثم غلبت بعدلِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِقال سفيان : وسمعت أنهم ظهروا يوم بدر . أخرجه الترمذي في سننه ( 3193 ) وقال : حسن صحيح غريب . والحاكم في مستدركه ( 2 / 410 ) من حديث ابن عباس وقال : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وأقره الذهبي .
تفسير الشعراوى — صفحة 5021 | محمد متولي الشعراوي