تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5013

مساهمون:

ص٥٠١٣
من المسجد الحرام ، أم من الحرم كله ؟ وحدد الإمام الشافعي التحريم على المشركين بالوجود في المسجد الحرام . ومع احترامنا لاجتهاد الإمام الشافعي نقول : إن الحق سبحانه وتعالى قال :
فَلا يَقْرَبُوا
ولم يقل : فلا يدخلوا . وتحريم الاقتراب يعنى ألا يكونوا قريبين منه ، وأقرب شئ للمسجد الحرام هو كل الحرم ، ولو كان المراد هو المسجد فقط لمنع الحق دخولهم إليه بالنص على ذلك « 1 » . وهكذا نرى كيف يمكن أن يجتهد الإنسان ويبحث في المعاني ليستخرج المضمون الحق . ويتابع المولى سبحانه وتعالى قوله :
وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ .
وفي هذا القول الكريم حديث عن الغيب . والغيب - كما عرفنا - هو ما يغيب عنك وعن غيرك ، أما الشئ الذي يغيب عنك ولا يغيب عن غيرك فلا يكون غيبا ، فإذا سرق منك مال مثلا فأنت لا تعرف من الذي سرق ، والسارق في هذه الحالة غيب عنك ، ولكنه ليس غيبا عن غيرك ؛ فالسارق يعرف نفسه ؛ والذي دبر له الجريمة يعرفه ، ومن رآه وستر عليه يعرفه . وأنت - أيضا - لا تعرف مكان المسروقات ، ولكن السارق يعرف المكان الذي خبأها فيه . إذن : فهي غيب عنك وليست غيبا عن غيرك . وهذه لعبة الأفاقين والنصابين الذين يسخّرون الجن ، فما دام الشئ معروفا ومعلوما لغيرك من الناس ؛ فالكشف عنه مسألة سهلة ، ولكنّ هناك غيبا عنك وعن غيرك ، وهذا هو ما ينفرد به الحق سبحانه وتعالى في قوله سبحانه :
عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً ( 26 ) إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ . . .
( 27 ) [ الجن ]
هامش
( 1 ) قال القرطبي في تفسيره ( 4 / 3031 ) : « قال الشافعي رحمه اللّه : الآية عامة في سائر المشركين ، خاصة في المسجد الحرام ، ولا يمنعون من دخول غيره ، فأباح دخول اليهودي والنصراني في سائر المساجد . قال ابن العربي : وهذا جمود منه على الظاهر ؛ لأن قوله عز وجلإِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌتنبيه على العلة بالشرك والنجاسة » .
تفسير الشعراوى — صفحة 5013 | محمد متولي الشعراوي