تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 4993

مساهمون:

ص٤٩٩٣
لأن كل شئ ابن أغيار لا بد أن ينزل إلى أسفل ، ويوضح الحق سبحانه وتعالى للمؤمنين أنه إذا كان قد طلب منهم أن يعزلوا أنفسهم عن مجتمع الكفر ؛ فأفقدهم بذلك قوة ونصيرا ، فهم في منعة أكبر ؛ لأنهم حينئذ يكونون مع اللّه ، واللّه هو النصير ، وليس هذا كلاما نظريا ، وإنما هو كلام مؤكد بالوقائع التي شهدتموها ، وسبحانه وتعالى يقول بعد ذلك :

[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 25 ]

لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ( 25 ) وقوله :
لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ
يلفتنا إلى أن النصر يكون من عند اللّه وحده ، والدليل على أن النصر من عند اللّه أنه سبحانه قد نصر رسوله والذين معه في مواطن كثيرة ، و
مَواطِنَ
جمع « موطن » والموطن هو ما استوطنت فيه . وكل الناس مستوطنون في الأرض ، وكل جماعة منا تحيز مكانا من الأرض ليكون وطنا لها ، والوطن مكان محدد نعيش فيه من الوطن العام الذي هو الأرض ؛ لأن الأرض موطن البشرية كلها ، ولكن الناس موزعون عليها ، وكل جماعة منهم تحيا في حيز تروح عليه وتغدو إليه وتقيم فيه . واللّه سبحانه هنا يقول :
لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ ،
وما دام الحديث عن النصر ، يكون المعنى : إن الحق سبحانه قد نصركم في مواطن الحرب أي مواقعها ، مثل يوم بدر ، ويوم الحديبية ، ويوم بنى النضير ، ويوم الأحزاب ، ويوم مكة ، وكل هذه كانت مواقع نصر من اللّه للمسلمين ، ولكنه