يعالج داخل النفس دون أن تحس أنت لأن المساجد هي مطالع أنوار اللّه تعالى وهي التي يتنزل فيها النور على النور الذي يصلح الحياة الدنيا ويرتقى بها ؛ لأن أنوار اللّه تدخل القلوب فتجعلها تطمئن ، وتدخل النفوس فتجعلها تحس بالرضا والأمن .
إذن فالمساجد لها مهمة العيادة للطبيب « 1 » الخالق الذي خلق هذه النفس ويعرف كيف يداويها ، وليس للطبيب الدارس في كلية الطب الذي يعرف أشياء وتغيب عنه أشياء . ونحن في المساجد إنما نعيش في حضرة الحق تبارك وتعالى نتلقى منه التجليات والفيوضات التي تعالج نفوسنا أكثر مما يعالجها أبرع أطباء العالم ، على أننا إذا دخلنا المسجد فلنعرف أن لهذا المكان قدسيته ، ولا بد أن يحرص الإنسان على نظافته ومظهره ، ولنرتد أحسن ثيابنا ؛ لأن اللّه لا ينظر إلى نظافتنا أو أناقتنا ، ولكن ليحرص كل منا على ألا يتأفف منه من يصلى بجانبه ؛ فمن يعمل في مصنع ويحضر إلى المسجد بملابس العمل قد لا تتناسب ملابسه مع المجئ إلى المسجد إلا بعد أن يغتسل ؛ إن ملابسه شرف له في عمله ، ولكن عليه أن يغيرها حين يذهب إلى المسجد ، « 2 » ومن يعمل في مكتب قد يكون الجو حارا أو امتلأ جسده بالعرق ، وملابسه التي يوجد بها في وظيفته هي شرف له في عمله ، ولكن عليه أن يغتسل ، وأن تكون رائحته طيبة حين يدخل المسجد . ولذلك نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من أكل ثوما أو بصلا أن يأتي المسجد حتى لا يتأذى أحد بالرائحة التي تصدر من فمه . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم في حديثه الشريف الذي يرويه جابر رضى اللّه عنه : « من أكل ثوما أو بصلا فليعتزلنا أو فليعتزل مسجدنا » « 3 » .
هامش
( 1 ) تعبير « الطبيب الخالق » الذي استخدمه فضيلة الشيخ الشعراوي هنا هو تعبير استخدمه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وذلك في حديث أبي رمثة رضى اللّه عنه قال : انطلقت مع أبي نحو النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فإذا هو ذو وفرة بها ردع حناء وعليه بردان أخضران فقال له أبى : أرني هذا الذي بظهرك فإني رجل طبيب . قال : « اللّه الطبيب ، بل أنت رجل رفيق ، طبيبها الذي خلقها » .
( 2 ) وقد جاء بهذا حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فعن عائشة قالت : إن الناس كانوا عمال أنفسهم ، وكانت ثيابهم النمار ( جلود النمور ) فكانوا يروحون في مهنتهم كما هي ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لو اغتسلتم وما على أحدكم أن يتخذ ليوم الجمعة ثوبين سوى ثوبي مهنته » . أخرجه أحمد في مسنده ( 6 / 63 ) والبخاري ( 2070 ) وابن ماجة ( 1096 ) واللفظ تاما لابن ماجة .
( 3 ) متفق عليه . أخرجه البخاري في صحيحه ( 855 ) ، ومسلم ، ( 564 ) من حديث جابر بن عبد اللّه .