القبائل أن تواجه أعداء الإسلام ، ولشغلتها حروبها الداخلية عن نصرة الدين والدفاع عنه ومواجهة الكفار . ولكن اللّه ألف بينهم ، وبعد أن كانوا أعداء أصبحوا أحبابا . وبعد أن كانوا متنافرين أصبحوا متوادين .
وهكذا ألف اللّه بين قلوب المسلمين بحيث أصبح الإسلام في قلوبهم وأعمالهم وأسلوب حياتهم هو أقوى رابطة تربط بينهم . فأصبحت أخوة الدين أقوى من أخوة النسب . وحين تتآلف القلوب ؛ فهذا أقوى رباط ؛ لأن كل عمل يقوم به الإنسان إنما ينشأ عن عقيدة في القلب .
إن القلب هو مصدر النية التي يتبعها السلوك ، فالذي يحرك إنسانا موتورا منك ويثير جوارحه ضدك ، إنما هو القلب ، فإن وجدت إنسانا يعبس في وجهك فافهم أن في قلبه شيئا ، وإن لقيته وحاول أن يضربك فافهم أن في قلبه شيئا أكبر ، وإن حاول أن يقتلك ، يكون في قلبه شعور أعمق بالبغض والكراهية .
إذن فالينبوع لكل المشاعر هو القلب . ولذلك نرى الإنسان يضحّى بكل شئ وربما ضحّى بحريته وبماله في سبيل ما آمن به واستقر في قلبه ، ونحن نرى العلماء في معاملهم يعيشون سنوات طويلة ويحرمون أنفسهم من متع الحياة الدنيا لأن العلم قد تحول إلى عقيدة في قلوبهم سواء أكانوا مسلمين أم غير ذلك ، فكأنما نية القلب وما يستقر فيها هي أقوى ما في الحياة .
ثم يبين اللّه سبحانه وتعالى لنا أن هذا فضل عظيم منه أن ألف بين قلوب المؤمنين ؛ فيقول :
وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
( 63 )
( سورة الأنفال )