تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 4744

مساهمون:

ص٤٧٤٤
وهذا العذاب يحدث ساعة الاحتضار وهي اللحظة التي لا يكذب الإنسان فيها على نفسه ؛ لأن الإنسان قد يكذب على نفسه في الدنيا ، وقد يكون مريضا بمرض لا شفاء منه فيقول : سأشفى غدا ، ويعطى لنفسه الأمل في الحياة ، وقد يكون فقيرا لا يملك من وسائل الدنيا شيئا ويقول : سوف أغتنى ؛ لأن الإنسان دائما يغلب عليه الأمل إلا ساعة الاحتضار ، فهذه لحظة يوقن فيها كل ميت أنه ميت فعلا ولا مفرّ له من لقاء اللّه ، ولذلك تجد أن الذي ظلم إنسانا لحظة يموت يقول لأولاده : أحضروا فلانا لقد ظلمته فردوا له حقوقه نحوى وما ظلمته فيه ، والإنسان لحظة الاحتضار يرى كل شريط عمله . فإن كان مؤمنا رأى شريطا منيرا ؛ فيبتسم ويستقبل الموت وهو مطمئن . وإن كانت أعماله سيئة فهو يرى ظلاما ، ويتملكه الذعر والخوف لأنه عرف مصيره . وحينما زين الشيطان للكفار أن يقاتلوا المؤمنين ووعدهم بالنصر ، وقال : إنني سأجيركم إذا دارت عليكم الدائرة ، فلما أصبح المؤمنون والكفار على مدى الرؤية من بعضهم البعض هرب الشيطان ؛ لأنه رأى من بأس اللّه ما لم يره الكفار ، وهذا هو موقف الشيطان دائما ، إذا رأى بأس اللّه أسرع بالفرار ، ويعترف أن كل حديثه لابن آدم إنما هو وعد كاذب سببه الحقد الذي في قلبه ؛ لأنه تلقى العقاب من اللّه عز وجل بعد أن رفض تنفيذ أمر اللّه له بالسجود لآدم ، وهو الذي أوجب عليه العذاب الذي سيلاقيه . ونرى الشيطان مثلا كما يخبرنا الحق سبحانه وتعالى بقوله :
فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ
( من الآية 82 سورة ص ) أي أنه أقسم بجلال اللّه وعزته . ومعنى عزة اللّه أنه غنى عن خلقه جميعا لا يحتاج لأحد منهم ، فهو اللّه بجلال وجمال صفاته قبل أن يوجد أحد من خلقه قد خلق هذا الكون وأوجده ولم يستعن بأحد ، ولو آمن به الناس جميعا